فإن قيل: وما يمنع أن يكون ابن عمر كان يقول بالإباحة، ثم رجع عنها في رواية ابن يسار؟!
قلنا: يمنع من هذا أن رواية المنع هي المشهورة المستفيضة بين الناس في زمنه وهو حي، بحيث أنكر ذلك عليه ابن عباس في الخبر المشهور.
فلو كان ابن عمر رجع عن ذلك؛ لاستفاض القول بذلك عنه من وجوه كما استفاض القول بالمنع، ولعرفه مولاه وصاحبه وصديقه وردِيفه نافع أبو عبد الله ورواه عنه من طريق يثبت مثله.
فالحاصل: أن المحفوظ عن ابن عمر هو الإباحة المطلقة، كما رواه عنه غير واحد من الأثبات، على رأسهم مولاه نافع، وهو أعلم من غيره بأحواله ومقالاته وفتياه. ولم يثبت عنه النهي من وجه يصح مثله.
[تنبيه مهم]:
التحقيق: أن ابن عمر قد أوهم - كما قال ابن عباس- في تفسير سبب نزول آية الإتيان، فظن أنها صريحة في الإتيان من الدبر في الدبر! والصواب: أنها نزلت في الإتيان من الدبر في القبل، كما وقع ذلك صريحًا في بعض روايات حديث جابر بن عبد الله عند مسلم والإسماعيلي وجماعة.
لكن هذا لا يُعكِّر على أصل مذهبه في الجواز المطلق، فقد رواه عنه نافع مرتين آخرتين في قضيتين مختلفتين غير متعلقتين بسبب نزول آية الإتيان.
وكذا رواه عنه سعيد بن يسار في قضية ثالثة كما مضى" انتهى.
قلت:
1 - أما إجماع الصحابة فليس من شروط الإجماع أن يُنقل لنا رأي كلّ واحد منهم مع تفرقهم في الأمصار، فقد حرّمه أعيان الصحابة الفقهاء أصحاب المدارس الفقهية المشهورة، وعدم وجود المخالف لهم جعله إجماعاً، ولا يخرقه ما رُوي عن ابن عمر؛ لأن هذا أخطأ فيه نافع عليه كما جاء ذلك صريحاً في رواية محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان التي احتج بها المخالف! ولكنه أخفى الجزء الثاني منها وأظهر الجزء الأول فقط لأنه يدعم رأيه! - وهذا نوع من التدليس، فتنبه!
2 - وأما ما ذكره الأخ من أدلة في إثبات هذا الرأي لابن عمر فلا يزال يردد رواية الدراوردي وما جاء فيها من سؤال نافع لابن عمر! مع أنه هو نفسه قال بأن هذه زيادة على أصل الرواية، وقد تفرد بها الدراوردي، والدراوردي لا يُحتج بما انفرد به! فكيف نحتج بروايته في نسبة مذهب لصحابي مثل ابن عمر؟!
وأما رواية عمر بن محمد بن زيد فهي منكرة كما بيّنا ذلك مراراً.
وأما رواية محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان فما نقله عن نافع صحيح، ولكنه استنكره! وسأل عنه، قال: "فأعظمت ذلك، فلقيت عبدالله بن عبدالله بن عمر وعبدالله بن عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب فأخبرتهما بما ذكر نافع، فقالا: "ليس ذلك كذلك، كان عبدالله بن عمر يحدثنا أن النساء كن يؤتين في أقبالهن وهن موليات، فقالت اليهود: من جاء امرأته وهي مولية جاء ابنه أحول! فأنزل الله جل ثناؤه ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، قال: ثم لقيت سالم بن عبدالله فأخبرته بما قال نافع، فقال: "أخطأ العبد أو كذب"، وحدث عن أبيه بمثل ما حدث الرجلان".
قلت: فهذا جزء من الرواية التي احتج بها الأخ ولكنه أخفاها فدلّس تدليساً غير محمود لتأييد رأيه!
فكيف تصحح الرواية أيها الأخ الكريم، وتترك الجزء الثاني منها ولا تشير إليه، وهو يناقض ما جاء في الجزء الأول منه ويبيّن خطأ نافع فيه على ابن عمر!!
3 - تعليل الأخ رواية الحارث بن يعقوب مما لا ينقضي منه العجب! فإنه أعلها بما رواه ربيعة الرأي، وقال بأن الحارث لا يقارن بربيعة! وهذا ليس بصحيح ألبتة، فكلاهما ثقة ثبت، ولم يتكلم أحد في الحارث، بل قال ابن حبان فيه في «مشاهير علماء الأمصار» (ص 122): "الحارث بن يعقوب الأنصاري من الأثبات في الروايات"، والأخ يحتج بمن يوردهم ابن حبان في مشاهيره كما سبق عنه، فكيف مع هذا الثناء عليه من ابن حبان.
وأما أن ربيعة مدني وهو أعلم بابن يسار من الغرباء أمثال الحارث! فهذه دعوى تحتاج لدليل، فالرجل ثقة ثبت لا مَغمز فيه.