تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1 - قال الأخ المعترض: "القول بالتحريم لا يثبت إلا عن نفر من الصحابة لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة! فأين إجماعهم في ذلك عند من أنصف من نفسه؟! وكذا الرواية عن السلف في التحريم معدودة محصورة أيضًا! ولأجل هذه الدعاوي والمجازفات وأضرابها نذكر هنا ما حضرنا من القول فيمن ثبت عنهم الإباحة بالأسانيد الثابتة دون المعلولة والمغموزة مما رُوِّيناه عن جماعة من السلف الصالح وأماثل هذه الأمة. فمنهم:

1 - ابن عمر:

وهو ثابت عنه من طرق لا محيد عنها في ثبوت الإسناد ودلالة الخبر.

وأقوى ما استدل به مَنْ ينفي عنه هذا الخطب: أمران:

1 - الأول: هو صَرْفُه عن ظاهره بدعوى أن مراده هو الإتيان من الدبر في القُبُل! وهذا مع استكراهه يدفعه أمران بل ثلاثة:

أ- رواية الدراوردي عن عبيد الله بن عمر العمري وابن أبي ذئب ومالك بن أنس كلهم عن نافع أنه قال لابن عمر: «من دبرها في قبلها؟ قال: لا إلا في دبرها».

وهذا أصرح ما يكون في الدنيا، وفي سياق الدراوردي قصة تدل على أنه حفظ هذا الخبر عن مشايخه الثلاثة، لا سيما وقد توبع على أصله عن مشايخه جميعًا.

ب- وما رواه عبد الرزاق (في تفسيره): عن سفيان الثوري، عن عمر بن محمد بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ «أي: مثله من النساء».

وهذا صريح جدًا في الدلالة على المطلوب، وهي قصة أخرى تدل على أن ابن عمر كان يرى ذلك مباحًا في النساء مطلقًا، ويستدل على ذلك بهذه الآية أيضًا.

ج- ما أخرجه ذلك ابن عساكر في «تاريخه» من طريق أبي أمية الطرسوسي عن المعلى بن منصور عن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن عن أبيه قال: «أتى محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان فذكر أن نافعًا ذكر أنه حلال أن يؤتين النساء في أدبارهن، وأن عبدالله (يعني: ابن عمر) ذكر ذلك .... ».

وسنده حسن مستقيم. وفيها الإباحة المطلقة من غير تقييد ذلك بسبب نزول آية الإتيان أو غيرها.

2 - والأمر الثاني: حديث الليْث بن سَعْدٍ عَنِ الْحَارِثِ بنِ يَعْقُوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قُلْتُ لِابنِ عُمَرَ: إِنَّا نَشْتَرِي الْجَوَارِيَ فَنُحَمِّضُ لَهُنَّ قَالَ: «وَمَا التَّحْمِيضُ؟» قَالَ: نَأْتِيهُنَّ فِي أَدْبَارِهِنَّ قَالَ: «أَوَّ أَوَ يَعْمَلُ هَذَا مُسْلِمٌ؟».

وهذا الرواية ظاهرها الثبوت إلا أنها معلولة بأمرين:

1 - الأول: أن الحارث بن يعقوب قد خولف فيها كلها عن ابن يسار! خالفه رَبِيْعَةُ الرَّأْيُ ابنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرُّوْخٍ التَّيْمِيُّ مُفْتِي المَدِيْنَةِ، وَعَالِمُ زمانه الثقة الثبت الفقيه المأمون!

فقال أصبغ بن الفرج: أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم قال: قلت لمالك إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدث عن الحارث بن يعقوب عن سعيد بن يسار قال: «قلت لابن عمر إنا نشتري الجواري فنحمض لهن، قال: وما التحميض؟ قال: نأتيهن في أدبارهن، قال: أو يعمل هذا مسلم!

فقال لي مالك: فأشهد على ربيعة لحدثني عن سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر عنه فقال: لا بأس به» ..

وهذا هو الصحيح المحفوظ عن ابن يسار، والحارث بن يعقوب من ثقات المصريين، لكنه دون ربيعة الرأي في كل شيء! أيَلْحَق ربيعةَ في ثقته وتثبته؟! أم في رياسته وإمامته؟! أم في عِلْمِه وفقهه ومعرفته؟!

ثم إن ربيعة مدني كابن يسار، فهو أعلم به وبحديثه من غيره من الغرباء أمثال: الحارث بن يعقوب وأضرابه.

2 - أنا لو سلمنا بثبوته إلى ابن يسار: لكانت رواية نافع عن ابن عمر في الإباحة مقدمة على روايته، ولا يختلف أحدٌ من النقاد والأئمة أنّ نافعًا- مع سالم بن عبد الله- أجلُّ وأثبت وأتقن وأرفع أصحاب ابن عمر مطلقًا، وإنما جرى الخلاف في أيهما يُقدَّم عند التعارض: سالم أم نافع فقط! ولا ثالث لهما البتة في عالَم الإمكان!

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٤٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٤٥١