تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: القصة التي رواها ابن سعدان عن الجوزجاني منكرة! وكأن الجواز كان منتشراً عند أهل المدينة اعتماداً على رواية نافع عن ابن عمر، وقد بينا أنها لا تصح. وأما الاختلاف عن الإمام مالك فالأصح أنه لا يصح عنه.

·…اعتراض مُعترِض:

وقد أجاب الأخ الذي ذكرناه آنفاً على هذا الكلام لما أرسلنا له أصل البحث، فقال: قال أبو صهيب وفقه الله: (كأن الجواز كان منتشراً عند أهل المدينة اعتماداً على رواية نافع عن ابن عمر، وقد بينا أنها لا تصح).

قلت: هذا دفْعٌ بالصدر! ورواية نافع عن عمر ورادة في ثلاث قضايا مختلفة، وكلها صحيح صريح ثابت.

وقد تكلم أبو صهيب على روايتين فقط، وأغفل الكلام على الرواية الثالثة من طريق محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان المعروف بالديباج عن نافع عن ابن عمر. بل لَمْ يذكرها الشيخ أصلًا.

ثم إن الصواب في الرواية الأولى المتعلقة بتفسير سبب النزول: الوهم فيها من ابن عمر نفسه، كما جزم به صاحبه عبدالله بن عباس.

ولو سلَّمْنا بوهم نافع عليه فيها خاصة: فلا يلزم من هذا أن يكون قد وهم في الروايتين الآخرتين من نَقْلِه عنه الجواز والإباحة المطلقة.

ثم قال أبو صهيب وفقه الله: (وأما الاختلاف عن الإمام مالك فالأصح أنه لا يصح عنه.).

بل هذا صحيح ثابت عنه من وجوه. ولم يثبت عنه المنع ولا الرجوع ولا غيرهما. ومَن يُصِرُّ على الجزم بصحة المنع عنه فإنه يلزمه الإتيان بالسند الصحيح إلى مالك بذلك. وأين هو في عالَم الإمكان؟ " انتهى كلامه.

قلت: هذا ليس دفعاً بالصّدر! وما قاله الأخ بناه على أنه يصحح هذه الروايات! وقد نسفناها في اليمّ نسفاً.

وأما ما رواه نافع فلا يصح عن ابن عمر، ومن الإجحاف نسبة الوهم في ذلك لابن عمر، وجزم ابن عباس صاحبه بذلك لا يصح عنه كما حققته من قبل.

والرواية التي قال الأخ بأني لم أذكرها من طريق محمد بن عبدالله بن عمرو المعروف بالديباج غفلة منه! فإني ذكرتها لما تكلمت على إشارة ابن عساكر أن هذا الحديث مما وهم فيه نافع بسبب اللحن، فذكرت أنه ساقه من طريق أبي أمية الطرسوسي: أخبرنا المعلى بن منصور: أخبرنا موسى بن عبدالله بن حسن، عن أبيه قال: أتى محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان فذكر أن نافعاً ذكر أنه حلال أن يؤتين النساء في أدبارهن، وأن عبدالله ذكر ذلك فأعظمت ذلك، فلقيت عبدالله بن عبدالله بن عمر وعبدالله بن عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب فأخبرتهما بما ذكر نافع، فقالا: "ليس ذلك كذلك، كان عبدالله بن عمر يحدثنا أن النساء كن يؤتين في أقبالهن وهن موليات، فقالت اليهود: من جاء امرأته وهي مولية جاء ابنه أحول! فأنزل الله جل ثناؤه ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، قال: ثم لقيت سالم بن عبدالله فأخبرته بما قال نافع، فقال: "أخطأ العبد أو كذب"، وحدث عن أبيه بمثل ما حدث الرجلان.

وهذه الرواية حجة عليه، فها هو الديباج ينقل عن نافع الرواية نفسها المعروفة عن نافع، ثم يخبر عبدالله بن عبدالله بن عمر وعبدالله بن عبدالرحمن بن زيد ما حدث به نافع عن ابن عمر، فينكران ذلك عن نافع، ويبيّنان الرواية الصحيحة عن ابن عمر في سبب نزول الآية وهي موافقة لرواية جابر، فانهدم بناء الأخ من قواعده.

وأما ما يتعلق بما رُوي عن الإمام مالك فقد بينا أنه رُوي عن مالك الإباحة وأن ذلك لا يصح عنه! ولم يرو هذا عنه أحد من أصحابه المعروفين الذين حملوا عنه الموطأ، وقد رواه عنه بعض أصحابه، لكن ما ذكروه مما أُنكر عليهم.

وطالما أن الإباحة لم تصح عن الإمام مالك فالأصل في ذلك المنع، ولا نحتاج لدليل على ذلك.

وعلى فرض أنه صحّ عن مالك فقد أشرنا أنه يكون أخذه من نافع، والله أعلم.

وذكر ابن كثير في «تفسيره» (1/ 266) عن معن بن عيسى عن مالك أن ذلك حرام. وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: حدثني إسماعيل بن حصن: حدثني إسرائيل بن روح: سألت مالك بن أنس، ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ قال: ما أنتم إلا قوم عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع، لا تعدوا الفرج. قلت: يا أبا عبدالله، إنهم يقولون إنك تقول ذلك؟ قال: يكذبون عليّ، يكذبون عليّ.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٤٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٤٤٩