تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويحتمل أن يكون ألزم محمداً بطريق المناظرة، وإن كان لا يقول بذلك، وإنما انتصر لأصحابه المدنيين، والحجة عنده في التحريم غير المسلك الذي سلكه محمد كما يشير إليه كلامه في الأم.

قال ابن حجر: "وقال المازري: اختلف الناس في هذه المسألة وتعلق من قال بالحل بهذه الآية وانفصل عنها من قال يحرم بأنها نزلت بالسبب الوارد في حديث جابر في الرد على اليهود يعني كما في حديث الباب الآتي، قال: والعموم إذا خرج على سبب قصر عليه عند بعض الأصوليين، وعند الأكثر العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا يقتضى أن تكون الآية حجة في الجواز، لكن وردت أحاديث كثيرة بالمنع فتكون مخصصة لعموم الآية، وفي تخصيص عموم القرآن ببعض خبر الآحاد خلاف، انتهى.

وذهب جماعة من أئمة الحديث كالبخاري والذهلي والبزار والنسائي وأبي علي النيسابوري إلى أنه لا يثبت فيه شيء. قلت: لكن طرقها كثيرة فمجموعها صالح للاحتجاج به، ويؤيد القول بالتحريم أنّا لو قدمنا أحاديث الإباحة للزم أنه أبيح بعد أن حرم، والأصل عدمه فمن الأحاديث الصالحة الإسناد حديث خزيمة بن ثابت، أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان، وحديث أبي هريرة أخرجه أحمد والترمذي، وصححه ابن حبان أيضاً، وحديث بن عباس وقد تقدمت الإشارة إليه، وأخرجه الترمذي من وجه آخر بلفظ: لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في الدبر، وصححه ابن حبان أيضاً، وإذا كان ذلك صلح أن يخصص عموم الآية ويحمل على الإتيان في غير هذا المحل بناء على أن معنى أنى حيث، وهو المتبادر إلى السياق ويغني ذلك عن حملها على معنى آخر غير المتبادر، والله أعلم" انتهى.

قلت: وقد نقل الإجماع والاتفاق على حرمة إتيان النساء في أدبارهنّ: الماوردي وابن حزم - ثم حكى في مُحَلَّاه الخلاف- وابن القيم والعيني وغيرهم!

قال الماوردي في «الحاوي»: «وَلِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِاللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ، وَابنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، أَمَّا عَلِيٌّ سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: 80]. وأَمَّا ابنُ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْهُ فَقَالَ: هَذَا يَسْأَلُنِي عَنِ الْكُفْرِ! وَأَمَّا ابنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ فَغَلَّظَا فِيهِ وَحَرَّمَاهُ، وَلَيْسَ لِمَنْ ذَكَرْنَا مِنَ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ فَصَارَ إِجْمَاعًا».

وقال ابن حزم في «المحلى»: «وَمَا رَوَيْت إبَاحَةَ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ إلَّا عَنْ ابنِ عُمَرَ وَحْدَهُ بِاخْتِلَافٍ عَنْهُ, وَعَنْ نَافِعٍ بِاخْتِلَافٍ عَنْهُ, وَعَنْ مَالِكٍ بِاخْتِلَافٍ عَنْهُ فَقَطْ»!

وقال ابن القيم في «الزاد»: «ومن ها هنا نشأ الغلط على من نقل عنه الإباحة من السلف والأئمة، فإنهم أباحوا أن يكون الدبر طريقا إلى الوطء في الفرج، فيطأ من الدبر لا في الدبر، فاشتبه على السامع من بـ في، ولم يظن بينهما فرقا، فهذا الذي أباحه السلف والأئمة، فغلط عليهم الغالط أقبح الغلط وأفحشه ... ».

وقال في مكان آخر: «وَطْءُ الْحَلِيلَةِ فِي الدُّبُرِ لَمْ يُبَحْ عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ مِنَ الأْنْبِيَاءِ».

·…مَن نُقل عنه أنه جوّز ذلك!

قال الْقَاضِي عِيَاضٌ: كان الْقَاضِي أبو مُحَمَّدٍ عبداللَّهِ بن إبْرَاهِيمَ الْأَصِيلِيُّ يُجِيزُهُ وَيَذْهَبُ فيه إلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ. وَصَنَّفَ في إبَاحَتِهِ محمد بن سَحْنُونٍ وَمُحَمَّدُ بن شَعْبَانَ.

وحَكَى ابن بَزِيزَةَ في تَفْسِيرِهِ عن عِيسَى بن دِينَارٍ أَنَّهُ كان يقول: "هو أَحَلُّ من الْمَاءِ الْبَارِدِ"!

وقال العيني: "وأما اختلاف العلماء في هذا الباب: فذهب محمد بن كعب القرظي، وسعيد بن يسار المدني، ومالك، إلى إباحة ذلك، واحتجوا في ذلك بما رواه أبو سعيد: أن رجلاً أصاب امرأته في دبرها، فأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا أثفرها، فأنزل الله عز وجل: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ [البقرة: 223]، وقالوا: معنى الآية: حيث شئتم من القبل والدبر، وقال عياض: تعلق من قال بالتحليل بظاهر الآية، وقال ابن العربي في كتابه «أحكام القرآن»: جوزته طائفة كثيرة، وقد جمع ذلك ابن شعبان في كتابه «جماع النسوان» وأسند جوازه إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين وإلى مالك من روايات كثيرة، وقال أبو بكر الجصاص في كتابه «أحكام القرآن» المشهور عن مالك إباحة ذلك، وأصحابه ينفون عنه هذه المقالة لقبحها وشناعتها، وهي عنه أشهر من أن تدفع بنفيهم عنه، وقد روى محمد بن سعدان عن أبي سليمان الجوزجاني قال: كنت عند مالك بن أنس فسئل عن النكاح في الدبر، فضرب بيده على رأسه وقال: الساعة اغتسلت منه. ورواه عنه ابن القاسم: ما أدركت أحداً أقتدي به في ديني يشك فيه أنه حلال - يعني وطء المرأة في دبرها، ثم قرأ: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ قال: فأي شيء أبين من هذا، وما أشك فيه".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٤٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٤٤٨