وذهب تلميذه وخِرِّيجُه عمرو عبد المنعم سليم المصريّ إلى القول بالإباحة المطلقة دون الكراهة، كما نقله عنه بعضهم.
·…آراء السلف في هذه المسألة، وهل هناك إجماع فيها؟!
ذهب الجمهور إلى تحريم إتيان النساء في أدبارهن، فمن الصحابة: علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن مسعود، وجابر بن عبدالله، وعبدالله بن عمرو بن العاص، وأبو الدرداء، وخزيمة بن ثابت، وأبو هريرة، وعلي بن طلق، وأم سلمة.
ومن التابعين: سعيد بن المسيب، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وأبو سلمة بن عبدالرحمن، وعطاء بن أبي رباح.
ومن الأئمة: سفيان الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي في الصحيح عنه، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وآخرون كثيرون.
ومن ادّعى أن الأسانيد إلى بعض هؤلاء الأئمة غير ثابتة فعليه أن يأتينا بالدليل، وقد أورد ابن أبي شيبة في «المصنف» (3/ 529) بعض ذلك عن السلف بالأسانيد الثابتة تحت باب (ما جاء في إتيان النساء في أدبارهن وما جاء فيه من الكراهة).
فهذا اتفاق من السلف على حرمة ذلك، والاختلاف جاء عن ابن عمر، فروى نافع عنه أنه حلال بحسب فهمه، ورُوي عنه المنع، وكذلك اختلف على مالك، فروي عنه الحل والمنع، وكذلك عن الشافعي!
وكأن الإمام مالكا أخذ هذا من نافع، وأخذ الشافعي عنه في القديم، والروايات عنهما فيها اختلاف، ووجود المنع عنهما يدل على أنهما مع الجمهور.
قال أبو بكر بن زياد النيسابوري: حدثني إسماعيل بن حصن: حدثني إسرائيل بن روح، سألت مالك بن أنس: ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ قال: ما أنتم إلا قوم عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع، لا تعدوا الفرج. قلت: يا أبا عبدالله، إنهم يقولون إنك تقول ذلك! قال: يكذبون عليّ، يكذبون عليّ.
قال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (1/ 266) بعد أن ساق هذه الرواية: "فهذا هو الثابت عنه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم قاطبة، وهو قول سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعكرمة، وطاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، ومجاهد بن جبر، والحسن، وغيرهم من السلف أنهم أنكروا ذلك أشد الانكار، ومنهم من يطلق على فعله الكفر، وهو مذهب جمهور العلماء، وقد حُكي في هذا شيء عن بعض فقهاء المدينة حتى حكوه عن الإمام مالك، وفي صحته نظر!
قال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج عن عبدالرحمن بن القاسم قال: ما أدركت أحداً أقتدي به في ديني يشك أنه حلال - يعني وطء المرأة في دبرها، ثم قرأ ﴿نساؤكم حرث لكم﴾، ثم قال: فأي شيء أبين من هذا. هذه حكاية الطحاوي، وقد روى الحاكم والدارقطني والخطيب البغدادي عن الإمام مالك من طرق ما يقتضي إباحة ذلك، ولكن في الأسانيد ضعف شديد، وقد استقصاها شيخنا الحافظ أبو عبدالله الذهبي في جزء جمعه في ذلك، والله أعلم.
وقال الطحاوي: حكى لنا محمد بن عبدالله بن عبدالحكم أنه سمع الشافعي يقول: ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحليله ولا تحريمه شيء، والقياس أنه حلال! وقد روى ذلك أبو بكر الخطيب عن أبي سعيد الصيرفي عن أبي العباس الأصم: سمعت محمد بن عبدالله بن عبدالحكم: سمعت الشافعي يقول: فذكره، قال أبو نصر الصباغ: كان الربيع يحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد كذب - يعني ابن عبدالحكم على الشافعي في ذلك؛ لأن الشافعي نص على تحريمه في ستة كتب من كتبه، والله أعلم" انتهى.
وروى الربيع في «الأم» عن الشافعي قال: احتملت الآية معنيين: أحدهما أن تؤتى المرأة حيث شاء زوجها؛ لأن «أنّى» بمعنى أين شئتم، واحتملت أن يراد بالحرث موضع النبات والموضع الذي يراد به الولد هو الفرج دون ما سواه.
قال: فاختلف أصحابنا في ذلك، وأحسب أن كلاً من الفريقين تأول ما وصفت من احتمال الآية، قال: فطلبنا الدلالة فوجدنا حديثين: أحدهما ثابت وهو حديث خزيمة بن ثابت في التحريم فقوي عنده التحريم، وروى الحاكم في مناقب الشافعي من طريق ابن عبدالحكم أنه حكى عن الشافعي مناظرة جرت بينه وبين محمد الحسن في ذلك، وأن ابن الحسن احتج عليه بأن الحرث إنما يكون في الفرج، فقال له: فيكون ما سوى الفرج محرماً فالتزمه، فقال: أرأيت لو وطئها بين ساقيها أو في أعكانها أفي ذلك حرث؟ قال: لا، قال: أفيحرم؟ قال: لا، قال: فكيف تحتج بما لا تقول به! قال الحاكم: لعل الشافعي كان يقول ذلك في القديم، وأما في الجديد فصرح بالتحريم. انتهى.