تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقد ذهب معاوية إلى اللحن الذي هو فِطنة، وذهبوا هم إلى اللحن الذي هو خطأ.

ولعل سفيان بن عيينة قصد في كلامه عن نافع هذا الأول، فإنه لما روى عن إسماعيل قوله: "كنا نرد نافعاً عن اللحن فيأبى"، قال سفيان: "أي حديث أوثق من حديث نافع".

قلت: لكن الظاهر أنه الخطأ فكانوا يردونه إلى الصواب وهو يأبى إلا ما سمعه بحسب فهمه.

واللحن، بتسكين الحاء: الخطأ، واللَحَن، بفتح الحاء: الفِطنة، وربما سكّنوا الحاء في الفطنة، قال الله عز وجل: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهُم في لَحْنِ القولِ﴾، معناه: في معنى القول، وفي مذهب القول.

وهذا مما يجب أن يتنبه له طالب العلم، فعندما تقرأ في كتب أهل العلم ويمر بك بعض الألفاظ فلا تحملها على المعنى المشتهر أو المعنى الاصطلاحي الذي اصطلح عليه أهل العلم فيما بعد، وإنما ضع اللفظ في سياقه وما يحتمله من معاني اللغة وما يحوطه من قرائن.

كما هنا في لفظ "اللحن" إذا سمعته تقول هو فساد الإعراب، وهذا ما اصطلح عليه أهل العلم، لكن من معانيه: الفطنة، والخطأ .. والخطأ قد يكون في ما يلحن به اللسان من القول فيفسد الإعراب، وقد يكون بالميل عن الصواب في الفهم، فيقلب المعنى.

وهذا الذي حدث لنافع عندما سمع ابن عمر في سبب نزول الآية.

والخلاصة أنه لم يثبت عن ابن عمر أنه أباح إتيان النساء في الدّبر، وإنما أخطأ عليه نافع.

·…اعتراض مُعترِض:

وقد أجاب الأخ الذي ذكرناه آنفاً على هذا الكلام لما أرسلنا له أصل البحث، فقال: "قال أبو صهيب وفقه الله: (الأقرب أن نافعاً أخطأ في الفهم عن ابن عمر، وإنما قصد بإتيان المرأة في دبرها أي من خلفها في موضع الحرث = القُبل. وكانت في نافع عُجمة وكان يلحن ...... ).

قلت: تخطئة نافع هنا تحتاج دليلًا أقوى مما ذكره الشيخ وفقه الله، وكونه كان يلحن أو يخطئ لا يعني التعلل بهذا في ردِّ ما رواه بأصرح عبارة عن ابن عمر! وإنما هذا يحتاج عدة قرائن أخرى، والقرائن الأخرى إنما تشهد بصحة وثبوت وصراحة ما رواه، ولا بأس أن نذكر بعضها هنا فنقول:

1 - الأول: أن رواية الدراوردي عن مشايخه الثلاثة عن نافع يبعد معها -بل يستحيل- أن تكون من قبيل اللحن في المعنى الذي وُصِفَ به نافع!

وفيها قول نافع لابن عمر: «فقلت له، من دبرها في قبلها، فقال: لا، إلا في دبرها».

فهذه المراجعة من نافع لابن عمر أصرح ما تكون في الدنيا، ولا ينفع معها تأويل ولا لَحْن ولا شيء غير التسليم لها وحسب!

2 - أن نافعًا روى عن ابن عمر الإباحة المطلقة في رواية أخرى غير متعلقة بتفسير الآية المشهورة وسبب نزولها!

أعني: ما رواه سلمة بن شبيب عن عبد الرزاق «في تفسير»: عن سفيان الثوري، عن عمر بن محمد بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ «أي: مثله من النساء».

قال سلمة بن شبيب: «وبه يحتج أهل المدينة».

قلت: هذا النص لا ينفع معه تأويل البتة! ولا مخرج منه سوى الإقرار بكون ما فيه هو رأي ابن عمر ومذهبه لا محالة، فإن كان قد أخطأ أو أوهم - كما يقول ابن عباس- أو أخطأ نافع عليه - كما يقول جماعة- في الرواية المشهورة في سبب نزول قوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم)، فقوله هنا لا يحتمل سوى أنه كان يرى إتيان النساء في الأدبار مباحًا؛ استدلالًا بتلك الآية الأخرى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾.

وقول سلمة بن شبيب في آخره: «وبه يحتج أهل المدينة». إشارة أخرى إلى أن كثيرًا من أهل المدينة كانوا يحتجون بهذه الآية نفسها على إباحة ذلك، وقد ورد هذا صريحًا عن محمد بن كعب القرظي عند الطحاوي في «بيان المشكل» غير أن الإسناد إليه مغموز.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٤٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٤٤٣