·…كيف وقع الوهم لنافع في هذا النقل عن ابن عمر!
الأقرب أن نافعاً أخطأ في الفهم عن ابن عمر، وإنما قصد بإتيان المرأة في دبرها أي من خلفها في موضع الحرث = القُبل.
وكانت في نافع عُجمة وكان يلحن.
قال مُطرِّف بن عبدالله عن مالك قال: "كان في نافع حدة"، ثم حكى مالك: "أنه كان يلاطفه ويداريه، ويقال: كان في نافع لكنة وعجمة".
وقال إسماعيل بن أمية: "كنا نرد على نافع اللحن فيأبى".
وروى ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (61/ 437) من طريق أبي بكر البرقاني قال: قرئ على عبدالله بن إبراهيم بن أيوب - وأنا أسمع -: حدثكم أحمد بن عبدالرحمن بن مرزوق: حدثنا عمر بن محمد: حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية قال: «كنا نريد نافعاً على أن لا يلحن، فيأبى إلا الذي سمع».
ثم رواه من طريق عمرو الناقد قال: سمعت سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، قال: «كنا نرد نافعاً على اللحن فيأبى علينا».
ثم رواه من طريق إسحاق ابن أبي إسرائيل، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أمية، قال: «كنا نرد نافعاً عن اللحن فيأبى فيقول: لا إلا الذي سمعته».
ثم ساق ابن عساكر من طريق عتّاب، عن خصيف قال: سألت سعيد بن جبير عن الذي روى نافع عن ابن عمر في قوله ﴿فائتوا حرثكم أنى شئتم﴾؟ فقال سعيد: كذب نافع - أو قال: أخطأ نافع -، ثم قال لي خصيف: "إن ابن عمر لم يكن يرى العزل، فأي عزل أشد مما قال أمرت أن تعتزل في المحيض".
ثم ساق رواية أبي طاهر المخلص عن ابن منيع، عن دواد بن رشيد، عن سلمة بن بشر، عن موسى بن عبدالله بن حسن بن حسين بن علي، عن أبيه أن رجلاً من ولد عثمان بن عفان .. القصة.
ثم ساقه من طريق أبي أمية الطرسوسي: أخبرنا المعلى بن منصور: أخبرنا موسى بن عبدالله بن حسن، عن أبيه قال: أتى محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان فذكر أن نافعاً ذكر أنه حلال أن يؤتين النساء في أدبارهن، وأن عبدالله ذكر ذلك فأعظمت ذلك، فلقيت عبدالله بن عبدالله بن عمر وعبدالله بن عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب فأخبرتهما بما ذكر نافع، فقالا: "ليس ذلك كذلك، كان عبدالله بن عمر يحدثنا أن النساء كن يؤتين في أقبالهن وهن موليات، فقالت اليهود: من جاء امرأته وهي مولية جاء ابنه أحول! فأنزل الله جل ثناؤه ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، قال: ثم لقيت سالم بن عبدالله فأخبرته بما قال نافع، فقال: "أخطأ العبد أو كذب"، وحدث عن أبيه بمثل ما حدث الرجلان.
ثم ساق من طريق علي بن سعيد قال: تذاركوا عند عبيدالله بن عمرو حديث نافع في إتيان الدبر، فحدثنا عبيدالله عن ميمون بن مهران قال: "إنما قال هذا نافع بعدما كبر وذهب عقله".
قلت: فظاهر تصرف ابن عساكر - رحمه الله- أنه يرى أن نافعاً أخطأ في فهم ما رواه عن ابن عمر؛ لأنه لما تكلّم عن اللحن عند نافع أتى بهذه الرواية، وهي قرينة قوية على ذلك؛ لأنه أراد أن يدلل على لحنه بهذه الرواية، وأشار إلى أنه ربما أخطأ في هذا الفهم بعدما كبر وذهب عقله.
قال الذهبي في ترجمة نافع من «سير أعلام النبلاء» (5/ 100): "وبلغنا أنهم تذاكروا حديث إتيان الدبر الذي تفرد به نافع عن مولاه، فقال ميمون بن مهران: إنما قال هذا نافع بعد ما كبر وذهب عقله، وروي أن سالماً قالوا له: هذا عن نافع! فقال: كذب العبد أو أخطأ العبد، إنما كان ابن عمر يقول: يأتيها مقبلة ومدبرة في الفرج".
قال: "قلت: وقد جاءت رواية أخرى عنه بتحريم أدبار النساء، وما جاء عنه بالرخصة فلو صح لما كان صريحاً، بل يحتمل أنه أراد بدبرها من ورائها في القبل، وقد أوضحنا المسألة في مصنف مفيد لا يطالعه عالم إلا ويقطع بتحريم ذلك".
قلت: واللحن هو صرف الكلام عن جهته الصحيحة وترك الصواب، فاللحن هو الخطأ كما في معاجم اللغة.
وقد يأتي اللحن بمعنى الفطنة. قال معاوية للناس: كيفَ ابنُ زيادٍ فيكم؟ قالوا: ظريف على أنه يَلْحَنُ، قال: فذاك أظرف له.