وأما ما احتج به فيما أورده من فعل الدارقطني في كتابه الغرائب والإفراد وإيراد بعض أحاديث الصحيحين فيها، وما عند الإمام أحمد في علله فهذا يختلف عن كتب الغرائب ولا نُنكر ما ذكره أنهم "قد يوردون الصحيح في كتب «العلل» ولا يتكلمون عليه بشيء؛ لكونهم ما قصدوا إعلاله بإيراده؛ ولا اشترط أكثرهم ذلك؛ بل قد يذكروه لمناسبة تتعلق بحديث قبله؛ أو بفائدة في إسناده؛ أو لنكتة في متنه. بل قد يوردوه ليردوا ما أُعِلَّ به؛ أو لينبهوا الغافل على قبولهم له بسكوتهم عليه ... ".
وليس منهجنا أننا نضعّف الحديث الفرد أو الغريب مطلقاً، فقد يكون الغريب أو الفرد صحيحا، وقد يكون ضعيفاً منكراً، وهذا يرجع للقرائن، فالمسألة ليست على إطلاقها.
·…رواية أخرى عن ابن أبي ذئب:
وقد رُوي الحديث عن ابن أبي ذئب عن نافع من طريق آخر:
قال أبو عليٍّ حامدُ بنُ محمدِ بنِ عبدِاللهِ بنِ معاذٍ الهرويُّ الرَّفَّاءُ في «فوائده - تَخْرِيج الدَّارَقُطْنِيّ»: نبأنا أَبُو أَحْمد بن عَبدُوس، قال: نبأنا عَليّ بن الْجَعْد، قال: نبأنا ابن أبي ذِئْب، عَن نافع، عن ابن عمر، قال: «وَقع رجل على امْرَأَته فِي دبرهَا فَأنْزل الله ﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم﴾».
قال: فقلت لِابنِ أبي ذِئْب، مَا تَقول أَنْت فِي هذا؟ قال: "مَا أَقُول فِيهِ بعد هذا"!
وأخرجه الطبراني في «الأوسط» برقم (6298) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ الصَّائِغُ، قال: حدثنا يَعْقُوبُ بنُ حُمَيْدٍ، قال: حدثَنَا أَبُو صَفْوَانَ عَبْدُاللَّهِ بنُ سَعِيدِ بنِ عَبْدِالْمَلِكِ، عَنِ ابنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَجُلًا، أَصَابَ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 223]».
قال الطبراني: "لمْ يَرْوِ هذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابنِ أَبِي ذِئْبٍ، إِلَّا أَبُو صَفْوَانَ".
قلت: قد رواه عنه علي بن الجعد أيضاً.
وهذا اللفظ أيضاً منكر عن نافع! ومحمد بن عبدالرحمن ابن أبي ذئب ثقة فقيه (80 - 159 هـ)، لا يُعرف بكثرة الرواية عن نافع، وحديثه عنه قليل جداً، ليس له في الكتب الستة عن نافع عن ابن عمر إلا أربعة أحاديث:
الأول: حديث النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أن رجلاً سأله: ما يلبس المحرم؟ ... الحديث.
أخرجه البخاري وقرنه برواية الزهري، عن سالم. عن ابن عمر.
الثاني: حديث من أعتق شركًا له في عبد ... الحديث.
أخرجه البخاري في العتق تعليقًا عقيب حديث موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر. قال: ورواه ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مختصر.
وأخرجه مسلم في المتابعات.
الثالث: حديث: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ... الحديث.
أخرجه مسلم في المتابعات في كتاب العتق عن محمد بن رافع، عن ابن أبي فديك، عنه، به.
الرابع: حديث الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما.
أخرجه ابن ماجه في السنَّة (المقدَّمة) عن محمد بن موسى الواسطي، عن المعلى بن عبد الرحمن، عنه، به.
وهذا حديث منكر عن ابن أبي ذئب! تفرد به معلى بن عبدالرحمن الواسطي، وهو متروك الحديث، كذّبه الدارقطني.
ولم أجد أحداً من أهل العلم تكلّم في رواية ابن أبي ذئب عن نافع، وكيف سمع منه، وما هو مقدار ما روى عنه! والذي يظهر أنه روى عنه أحاديث قليلة جداً، وهناك أحاديث لم يسمعها من نافع، وإنما رواها عنه بواسطة، وكان ابن أَبي ذئب كان لا يبالي عن من يُحدِّث.
فالذي أراه أن ابن أبي ذئب لم يسمع هذا الحديث من نافع؛ لأنه مخالف لما رُوي عن نافع من أصحابه الثقات، وهو حديث غريب؛ ومثله لا نجده إلا في كتب الفوائد التي تحوي الغرائب المنكرة، ولهذا انتخبه الدارقطني من فوائد الرّفاء لأنه فائدة.