وأما سؤال علي بن الجعد لابن أبي ذئب حول هذه الرواية وجوابه المتضمن قبولها فهذا لا يعني صحة الرواية عن نافع بهذا اللفظ، وكأن هذا الرأي كان منتشراً عن نافع في ذلك الوقت، وهو كذلك إلا أنه أخطأ في فهم الحديث، والرواية بهذا اللفظ منكرة كما أشرت.
·…اعتراض مُعترِض:
وقد أجاب الأخ الذي ذكرناه آنفاً على هذا الكلام لما أرسلنا له أصل البحث، فقال: "أمَّا النكارة فلَمْ أدْر وجهها؟! ورواية ابن أبي ذئب هي بمعنى رواية ابن عون: (نزلت في إتيان النساء في أدبارهن)، فهذا إجمال فسِّرَتْه رواية ابن أبي ذئب. ثم إن الشيخ أبا صهيب يرى أن مراد ابن عمر هو الإتيان من الدبر في القبل، فغلط عليه نافع وظن أنه يريد الإتيان من الدبر في الدبر! فإذا كان هذا هو معتقد الشيخ في مذهب ابن عمر فما الداعي لإنكار رواية ابن أبي ذئب هنا! فلا على الشيخ إنْ حمل لفظ ابن أبي ذئب: (عن ابنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَجُلًا، أَصَابَ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ... ) يعني: أتاها في دبرها من قُبُلها، وتسلم الرواية من النكارة رأسًا؟!
وإذ ذاك كذلك: فلا داعي أيضًا لإعلال الرواية بكون ابن أبي ذئب قليل الرواية عن نافع! ولا لدعوى أنه لم يسمعه من نافع رأسًا! لكونه مخالفًا لِما رُوي عن نافع من أصحابه الثقات!
فكل هذا مدفوع بالتأويل المذكور الذي سيرجحه الشيخ - سدده الله- في آخر هذا البحث.
على أن التحقيق عندي: أن رواية ابن أبي ذئب صحيحة محفوظة لا علة لها ناهضة، وروايته عن نافع مقبولة مطلقًا، إلا في أمور خاصة ليس هذا الخبر منها قط.
أما قول أبي صهيب: (ومثله لا نجده إلا في كتب الفوائد التي تحوي الغرائب المنكرة، ولهذا انتخبه الدارقطني من فوائد الرّفاء لأنه فائدة).
فقد مضى الإجابة عليه من قبل، وأن الغرابة عند جماهير المحدثين لا تستلزم النكارة، ووجود الحديث في كتب الغرائب والأفراد لا يعني ضَعْفَها أيضًا. وإنما مدار الأمر على القرائن والملابسات.
ورواية ابن أبي ذئب هنا: قد توبع على معناها، فلا موجب للتعلق بإعلالها.
على أن سؤال علي بن الجعد لابن أبي ذئب في آخر الرواية وجوابه عليه= يدل على مزيد عناية وضَبْط ابن أبي ذئب لها" انتهى كلامه.
قلت: أما وجه النكارة فهو أنه نزلت في ذلك الرجل الذي أتى زوجته من دبرها، والمعروف الثابت أنها نزلت في قول اليهود في أن من أتى زوجته من خلفها في قُبلها جاء الولد أحول من رواية جابر، وأما تأويل رواية نافع فإنا أوّلنا الرواية التي أخرجها البخاري؛ لأنها مجملة وليس فيها أنها نزلت بسبب ذاك الرجل الذي أتى زوجته من دبرها، وإنما قال: "نزلت في إتيان النساء في أدبارهن"، وهذا يمكن تأويله بخلاف الرواية المنكرة هذه عن نافع.
ويُصار إلى تفسير المجمل إذا كانت الرواية صحيحة، وأما هذه الرواية فليست صحيحة، والرواية التي أخرجها البخاري أصح وهي مجملة، ولا يحسن حمل رواية ابن أبي ذئب عليها لعدم صحتها وعدم ثبوتها عن نافع ومخالفتها لسبب نزول الآية الصحيح.
وأما قبول رواية ابن أبي ذئب عن نافع مطلقاً فهذا فيه نظر! وما أجاب به في آخر الرواية لا علاقة له بأنه يدلّ على مزيد ضبط وعناية! فيمكن لراو أن يروي رواية عن راوٍ لم يسمع حديثه هذا لشهرته وانتشاره بينهم، ثم يسأل عنه فيجيب.
وأما ما يتعلق بكتب الغرائب فقد فصّلناه فيما سبق.
·…الرواية عن مالك عن نافع:
أخرج الدَّارَقُطْنِيّ ودعلج كِلَاهُمَا فِي «غرائب مالك» من طَرِيق أبي مُصعب وإسحاق بن مُحَمَّد الْقَرَوِي كِلَاهُمَا عن مالك، عَن نَافِع، عَن ابن عمر أَنه قال: «يا نَافِع أمسك على الْمُصحف فَقَرَأَ حَتَّى بلغ ﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم﴾ الْآيَة، فَقَالَ: يَا نَافِع أَتَدْرِي فيمَ أنزلت هَذِه الْآيَة قلت: لا. قال: نزلت فِي رجل من الْأَنْصَار أصَاب امْرَأَته فِي دبرها فَوجدَ فِي نَفسه من ذَلِك فَسَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأنْزل الله الْآيَة».