نعم: وجود تلك الأحاديث في أمثال تلك الكتب من الغرائب والفوائد والعلل، قد يكون مظنة على كونها معلَّلة، لكن هذا ليس مطردًا؛ وإن كان أمرًا أغلبِيًّا، والقرائن والملابسات هي التي تؤيد الإعلال أو تَدْرَأه" انتهى كلام الأخ الكريم.
أقول:
أولاً: فيما يتعلق بالوجه الأول من ناحية التحقيق، فهو كلام غير محقق!!
أما الدراوردي فهو صدوق عالم، ولم نُهدر حديثه جملة، وقد ضعفه بعض أهل العلم مطلقاً، ومشّاه بعضهم، ولم يقولوا إنه ضعيف فقط في عبيدالله، وإنما هذا جاء في قول الإمام أحمد بعد أن نصّ على أنه يخطئ، قال: "كان معروفا بالطلب وإذا حدث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدث من كتب الناس وهم وكان يقرأ من كتبهم فيخطئ، وربما قلب حديث عبدالله بن عمر يرويها عن عبيدالله بن عمرو".
قلت: وقصد الإمام أحمد أنه عندما كان يقرأ من كتب الناس يقلب حديث عبدالله بن عمر فيقرأه: عبيدالله بن عمرو!
فينبغي فهم الكلام من خلال النص وعدم اقتطاعه.
وأما وجود حديثه في دواوين السنة فغيره مثله أيضاً حديثه في دواوين السنة، ويكفيه ضعفاً أن البخاري لم يخرج له وحده، وإنما قرنه بغيره، أي يحتاج لمتابعة، وهذا يدل على أنه لا يحتج بحديثه إلا إذا تابعه غيره من الرواة.
والمُعارض حصر المسألة في حديثه إذا اختلف مع غيره! وليس كذلك، فمشكلته أيضاً في التفرد، فلا يقبل تفرده كما هو ظاهر تصرف البخاري في تخريج حديثه في صحيحه.
وأما قول الإمام الذهبي في بعض الرواة الذين اختلف أهل العلم في توثيقهم وتجريحهم كالدراوردي: «لا ينحط عن مرتبَة الحسَن» فلا يعني الحكم على كل حديث له بأنه حسن! فقد يُحسّن حديثه بضوابط.
بل قال الذهبي في «الميزان»: "عبدالعزيز بن محمد الدراوردي: صدوق من علماء المدينة، غيره أقوى منه".
وقد نصّ بعض أهل النقد على أنه ليس بقوي.
قال أحمد بن حنبل: "إذا حدث من حفظه يَهم ليس هو بشيء، وإذ حدث من كتابه فنعم". وقال أحمد أيضاً: "إذا حدث من حفظه جاء ببواطيل".
وقال أبو حاتم: "لا يُحتج به".
وقال أبو زرعة: "سيء الحفظ".
وقال الساجي: "كان من أهل الصدق والأمانة إلا أنه كثير الوهم".
قلت: فما أدرانا بالأحاديث التي حدث بها من كتابه أو حدث بها من حفظه، ولا سبيل لمعرفة ذلك إلا بنص أهل العلم، أو رد ما يتفرد به وخاصة إذا كان فيما يرويه نكارة! وقد نصّ المعترض على أنه قد خالف غيره في آخر الحديث، وهو ما قصدناه بالنكارة في حديثه؛ إذ هو تفرد بهذا، وهو منكر!
وأما ذكر القصة في الرواية فنعم هذا يدل على زيادة حفظ وتثبت لم شهدها وحضر وقائعها، وكان الراوي عنه ثقة، أما الدراوردي فلا علاقة له بها ويرويها عن ثلاثة من شيوخه، ولو سحبنا هذا على كل راو ضعيف بروايته لحديث فيه قصة وقلنا إن وجود القصة فيه مزيد ضبط وحفظ فعلى ذلك صححنا أحاديث كثيرة للضعفاء! وهذا لا يقول به أحد، ووجود القصة في الرواية كما يدل على صحتها فكذلك وجود القصة أحياناً يدل على كذبها! وخاصة إذا كانت مخالفة لغيرها من الأحاديث الصحيحة.
ثانياً: أما فيما يتعلق بمن تابع الدراوردي عليه فسياتي الكلام على متابعة علي بن الجعد عن ابن أبي ذئب، وكذلك من رواه عن مالك.
وعلى فرض صحة هذه الروايات فهي ليست متابعات تامة كما قال الأخ! بل هو نفسه قال بأن الدراوردي تفرد بقول نافع الأخير في الرواية وهو منكر! ومسألة التفرد عن ثلاثة شيوخ والجمع بينهم مظنة الشك في رواية الضعيف.
ثالثاً: وأما اعتراضه على أن وجود الحديث في كتاب الغرائب وإيراده فيها يدل على تضعيفه وإنكاره فغير ثابت جملة ولا تفصيلاً ففيه نظر!
فكتب الغرائب المتأخرة التي تعنى بغرائب مالك أو شعبة وغيرهما من الأئمة من عرف هذه الكتب ولم صنفت أدرك أن مصنّف هذه الكتب يورد فيها الأحاديث التي أُغربت على هؤلاء الأئمة وحصل فيها خطأ من رواتها ولا تثبت عنهم.