تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: هذه الرواية منكرة جداً! والدراوردي كما أشرنا لا يُحتج بما انفرد به؛ لأنه كان يهم كثيراً، وقد وُصف بسوء الحفظ إذا حدّث من حفظه، فكيف يتفرد عن ثلاثة من المشهورين بهذه الرواية! فجمعه لهؤلاء الشيوخ مظنة الخطأ والوهم، ولا يُقبل الجمع إلا من الثقات الأثبات أمثال الإمام الزهري كما فعل في حديث قصة الإفك.

وإيراد الأئمة لهذا الحديث في كتب الغرائب يدلّ على تضعيفهم وإنكارهم له.

·…اعتراضات مُعترِض:

وقد أجاب أحد إخواننا - جزاه الله خيراً- على هذا الكلام لما أرسلنا له أصل البحث، فقال: "الإجابة عن هذا يكون من ثلاثة وجوه:

1 - الأول: التحقيق: أن الدراوردي صدوق متماسك محدِّث عالِم، ولم يُصِب مَن أهدر حديثه جملة! وهو ضعيف في عبيدالله العمري وحده، لكونه كان لا يقوم بحديثه، وكتابه أصح من حِفْظِه، و «حَدِيْثُهُ فِي دوَوَاينِ الإِسْلاَمِ السِّتَّةِ، لَكِنَّ البُخَارِيَّ رَوَى لَهُ: مَقْرُوْناً بِشَيْخٍ آخرَ، وَبِكُلِّ حَالٍ فَحَدِيْثُهُ وَحَدِيْثُ ابْن أَبِي حَازِمٍ لاَ يَنحطُّ عَنْ مرتبَةِ الحَسَنِ». كما يقول الذهبي في ختام ترجمته من «سير النبلاء».

فالحاصل: أن حديثه على السلامة ما لم يخالف من هو أثبت منه أو يأتِ بما ينكره عليه أئمة هذا الشان.

وروايته هنا: ما خالف فيها أحدًا، بل توبع عليها جميعًا عن مشايخه الثلاثة، اللهم إلا في قول نافع بآخره: «قلت لَهُ: من دبرها فِي قبلهَا! قال: لا، إِلَّا فِي دبرها». فهذا بذلك التصريح لم أجده لغيره، لكنه توبع على معناه بلا ريب.

على أن الراوي الضعيف (فكيف بالمُحَدِّث الصدوق مثل الدراوردي؟) إذا روى خبرًا فيه قصة، كان ذلك أدْعَى أن يكون قد حفظه ووعاه كما سمعه، لِمَا تحتاجه القصة من مزيد عناية وضبط، وقد نصَّ على هذا الإمام أحمد فيما نقله عنه الحافظ في «مقدمة الفتح».

2 - والثاني: أن الدراوردي لم يتفرد بهذا الخبر أصلًا حتى يقال: (فجمعه لهؤلاء الشيوخ مظنة الخطأ والوهم، ولا يُقبل الجمع إلا من الثقات الأثبات)!

بل قد توبع عليه عن مشايخه الثلاثة جميعًا:

أ- فتابعه علي بن الجعد وغيره عن ابن أبي ذئب.

ب- وتابعه أبو مصعب الزهري وجماعة عن مالك.

ج- وتابعه يحيى القطان عن عبيد الله بن عمر.

ومتى تُوبِع الراوي المتكلم في حِفْظِه على روايته متابعة تامة؛ كان ذلك برهانًا على أنه حفظها وضَبَطَها ووعاها.

3 - والثالث: أن دعوى كون: (إيراد الأئمة لهذا الحديث في كتب الغرائب يدلّ على تضعيفهم وإنكارهم له.)! غير ثابت لا جملة ولا تفصيلًا.

وقد رددنا على بعضهم أثناء تحقيقه لبعض الكتب: «والذي دعا هذا المعلِّق الفاضل المحقق الفذ - وتلك شهادة تناله- على «منتخب علل الخلال/ لابن قدامة» إلي نفْي السماع = هو أنه يعمل في تحقيق كتاب في «العلل» فكأنه ظن أن كل خبر موجود فيه لا بد أن يكون معللًا! وهذا هو الذي جعله يتطلَّب إعلال هذا الحديث مع سلامة إسناده!

وليس كما ظن أصلًا؛ بل هم قد يوردون الصحيح في كتب «العلل» ولا يتكلمون عليه بشيء؛ لكونهم ما قصدوا إعلاله بإيراده؛ ولا اشترط أكثرهم ذلك؛ بل قد يذكروه لمناسبة تتعلق بحديث قبله؛ أو بفائدة في إسناده؛ أو لنكتة في متنه.

بل قد يوردوه ليردوا ما أُعِلَّ به؛ أو لينبهوا الغافل على قبولهم له بسكوتهم عليه، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا، تجدها في «علل أحمد / رواية ولده عبدالله» بكثرة. وكذا في «الفوائد المعللة» لأبي زرعة الشامي ... ».

وكذلك يفعل الدارقطني في كتابه: «الغرائب والأفراد»: «ولذلك: تراه ذكر طائفة من أحاديث «الصحيحين» من تلك الطرق التي أخرج بها الشيخان هذه الأحاديث! بل قد ينص هو بنفسه على صحة ذلك الطريق الذي يستغربه أو يجزم بتفرد بعض الثقات به ... بل لحذاق النقاد في إعلال بعض أحاديث الثقات بالتفرد: مسالك لا يهتدي إليها كل أحد! ولا يحسن التذرُّع بها في التنكب عما ينفرد به الأثبات مطلقًا إلا عند مَنْ لا يدري ما وراء الأكمة .... ».

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٤٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٤٣٠