وعموماً فالحديث فيه اضطراب: فبعضهم يذكر "رفع اليدين في التكبير"، وبعضهم يذكر "رفع اليدين عند الدعاء"! وبعضها لم يُصرّح!
3 - روى ابن عدي في «الكامل» (2/ 9) قال: حَدَّثَنَا مُحَمد بنُ مُحَمد بنِ عُقْبَةَ، قال: حَدَّثَنا جُبَارَةُ، قال: حَدَّثَنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عَنْ بِشْرِ بنِ حَرْبٍ، عنِ ابنِ عُمَر أَنَّهُ ذَكَرَ القُنُوتَ، فقَالَ: «واللَّهِ إِنَّهَا لَبِدْعَةٌ، مَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ شهر واحد».
ورواه البيهقي في «السنن الكبرى» (2/ 213) من طريق أبي الربيع، عن حماد بن زيد، قال: حدثنا بشر بن حرب، قال: سمعت ابن عمر يقول: «أرأيت قيامهم عند فراغ القارئ من السورة هذا القنوت إنها لبدعة، ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شهراً، ثم تركه».
قال البيهقي: "بشر بن حرب الندبي ضعيف، وإن صحت روايته عن ابن عمر ففيها دلاله على أنه إنما أنكر القنوت قبل الركوع دواماً".
قلت: هنا ضعّف البيهقي بشر لأن ما رواه يخالف مذهبه الشافعي في جواز القنوت في الفجر وغيره، ثم أوّله إن صح! وكان ينبغي له ولمن نقل عنهم - كما في الحديث السابق- أن لا يحتج بذلك الحديث كذلك لأنه من رواية بشر أيضاً!!
والحديث رُوي أيضاً مخالفاً لهذا! فجعل القيام بعد الركوع لا قبله!
رواه أبو نُعيم في «الحلية» (8/ 50) من طريق إِبْرَاهِيم بن أَدْهَمَ, عَنْ حَمَّادِ بنِ زَيْدٍ, عَنْ بِشْرِ بنِ حَرْبٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قالَ: «أَرَأَيْتَ قِيَامَكُمْ هذَا بَعْدَ الرُّكُوعِ وَاللهِ إِنَّهَا لَبَدْعَةٌ»
قلت: فالحديث مضطرب! ففي بعض الروايات: "القيام بعد الفراغ من السورة قبل الركوع"، وفي بعضها: "بعد الركوع"!
وما أظن هذا إلا من بشر نفسه؛ لأنه ينفرد عن ابن عمر بمناكير!
وهذا الذي رواه عن ابن عمر - وإن كان مذهباً لابن عمر في هذه المسائل من خلال فعله- إلا أن نقلها عنه هكذا منكر! ونكارتها في إثبات أن هذه الأفعال كانت منتشرة في زمن ابن عمر وأنه أنكرها! وهذا ليس بصحيح، فلم يأت في حديث صحيح انتشارها وإنكار ابن عمر لها، فلم يزل الصحابة يتبعون ما رأوه من النبي صلى الله عليه وسلم، والنقل عنهم يكون من فعلهم.
وهذا الحديث إن صح عن ابن عمر فهو يناقض الحديث السابق في أن رفع اليدين كان في الدعاء!
4 - روى أحمد في «مسنده» (2/ 70) قال: حدثنا حَسَنُ بن مُوسَى، قال: حدثنا حَمَّادُ بن زَيْدٍ، عن بِشْرِ بن حَرْبٍ، قال: سمعت ابن عُمَرَ يقول: سمعت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ يقول: «يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يوم الْقِيَامَةِ ولا غَدْرَةَ أَعْظَمُ من غَدْرَةِ إِمَامِ عَامَّةٍ».
ورواه أيضاً (2/ 126) عن يُونُس، عن حماد بن سَلَمَةَ، عن بِشْرِ بن حَرْبٍ، قال: سمعت ابن عُمَرَ يقول: سمعت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «إن لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً يُعْرَفُ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ، وإن أَكْبَرَ الْغَدْرِ غَدَرُ أَمِيرِ عَامَّةٍ».
قلت: هذا الحديث معروف عن ابن عمر دون قوله: «ولا غدرة أعظم - أو: أكبر- من غدرة إمام عامة»! وهي زيادة منكرة من بشر في رفعها للنبي صلى الله عليه وسلم.
فقد رواه نافع وعبدالله بن دينار وغيرهما عن ابن عمر، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُنْصَبُ بِغَدْرَتِهِ».
وما جاء في حديث بشر إنما هو من مفهوم قول ابن عمر لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية.
روى البخاري في «صحيحه» (6/ 2603) من طريق حَمَّادُ بن زَيْدٍ، عن أَيُّوبَ، عن نَافِعٍ قال: (لمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ بن مُعَاوِيَةَ جَمَعَ ابن عُمَرَ حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ، فقال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يوم الْقِيَامَةِ»، وَإِنَّا قد بَايَعْنَا هذا الرَّجُلَ على بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي لا أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ من أَنْ يُبَايَعَ رَجُلٌ على بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُنْصَبُ له الْقِتَالُ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ ولا تابع في هذا الْأَمْرِ إلا كانت الفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ).