تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: تخريج أبي داود وابن ماجه والحاكم للحديث لا يعني أنه ليس موضوعا في حقيقة الأمر، فربما يرونه ضعيفا لا موضوعا، والحقيقة أنه موضوع.

وأما ابن خزيمة فما يُنسب إليه فليس بصحيح، فإنه قبل أن يُخرّج الحديث في «صحيحه» قال: "باب صَلَاة التَّسْبِيح إِن صَحَّ الخَبَر فَإِن فِي الْقلب منه".

وأما ما رُوي أن ابن عباس كان يواظب عليها فليس بصحيح!

وعرض أبي داود السنن على أحمد لا يعني أنه اطلع على كل حديث فيها، فإن ذلك يحتاج منه أن يتفرغ لها، وهذا لم يحصل.

وما نسبه لجمهور الفقهاء من عدم منعهم لها فليس بصحيح، وإنما بعض الفقهاء هم من استحبوها، والجمهور على منعها، إلا إذا قُصد الفقهاء المتأخرون من الشافعية.

وقال ابن طولون بعد أن ذكر بعض طرقها في «الترشيح»: "فهذا يدل على شهرة هذه الصلاة واستفشائها بين الأئمة والرواة. وقد ذكرها الأئمة في مصنفاتهم، كأبي داود، والترمذي، وابن ماجه، والطبراني، والدارقطني، والبيهقي، وأبي محمد البغوي، وأبي المحاسن الروياني، وغيرهم من أئمة المسلمين، رحمة الله عليهم أجمعين.

وممن صحح الحديث المشار إليه: أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني وصنف فيه مصنفاً سماه: «كتاب تصحيح حديث التسبيح من الحجة الواضحة والكلام الفصيح»، والحافظ أبو بكر محمد بن أبي بكر عبدالعزيز بن ناصر الدين، وصنف فيه مصنفاً سماه: «الترجيح لحديث صلاة التسبيح»، وقال فيه: (وللحديث طرق جمة معروفة بين الأئمة أمثلها في الاقتباس حديث عكرمة عن ابن عباس) ".

·…أقوال من استحبها من أهل العلم:

قال النووي في «الأذكار»: "وقد نصَّ جماعةٌ من أئمة أصحابنا على استحباب صلاة التسبيح هذه، منهم أبو محمد البغوي، وأبو المحاسن الروياني.

قال الروياني في كتابه البحر في آخر كتاب الجنائز منه: اعلم أن صلاة التسبيح مُرَغَّب فيها، يُستحبّ أن يعتادها في كل حين ولا يتغافل عنها، قال: هكذا قال عبدالله بن المبارك وجماعة من العلماء. قال: وقيل لعبدالله بن المبارك: إن سهَا في صلاة التسبيح أيُسبِّح في سجدتي السهو، عشرًا عشرًا؟ قال: لا، وإنما هي ثلاثمائة تسبيحة.

وإنما ذكرتُ هذا الكلام في سجود السهو، وإن كان قد تقدم لفائدة لطيفة، وهي أن مثل هذا الإِمام إذا حكى هذا ولم ينكره أشعر بذلك بأنه يوافقه، فيكثر القائل بهذا الحكم، وهذا الروياني من فضلاء أصحابنا المطّلعين، والله أعلم".

وقال في «المجموع شرح المهذب» (4/ 54): "قالَ القَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَا التَّهْذِيبِ وَالتَّتِمَّةِ وَالرُّويَانِيُّ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ مِنْ كِتَابِهِ الْبَحْرِ: يُسْتَحَبُّ صَلَاةُ التَّسْبِيحِ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِيهَا، وَفِي هذَا الِاسْتِحْبَابِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ حَدِيثَهَا ضَعِيفٌ، وَفِيهَا تَغْيِيرٌ لِنَظْمِ الصَّلَاةِ الْمَعْرُوفِ فَيَنْبَغِي أَلَا يُفْعَلَ بِغَيْرِ حَدِيثٍ، وَلَيْسَ حَدِيثُهَا بِثَابِتٍ".

قلت: تقدم قول ابن تيمية أن من استحبها من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما فإنما هو اختيار منهم، لا نقل عن الأئمة.

وممن استحبها من أئمة الحنابلة ابن قدامة، فإنه قال في «المُغني» (2/ 98): "ولَمْ يُثْبِتْ أَحْمَدُ الحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ فِيهَا، ولمْ يَرَهَا مُسْتَحَبَّةً، وَإِنْ فَعَلَهَا إنْسَانٌ فَلَا بَأْسَ؛ فَإِنَّ النَّوَافِلَ وَالْفَضَائِلَ لَا يُشْتَرَطُ صِحَّةُ الْحَدِيثِ فِيهَا".

وكان رحمه الله يواظب على صلاتها.

قال الحافظ الضياء المقدسي في بيان اجتهاد ابن قدامة في العبادة: "كانَ لا يكادُ يسمع دعاء إلّا حفِظه ودَعا بِهِ، ولا يسمع ذِكرَ صلاةٍ إلّا صَلَّاها، ولا يسمع حديثا إلّا عَمِلَ به ... وسمعتُ ولدَه أبا مُحَمَّد عَبْدالله يَقُولُ: كَانَ يسجد سجدتين طويلتين: إحداهما في اللّيل والأخرى في النّهار يُطيل فيهما السُّجود، ويُصلّي بعد أذان الظُّهر قبل سُنّتها في كلّ يومٍ ركعتين يقرأ في الأولى أول «المؤمنين»، وفي الثّانية آخر «الفُرقان» من عقيْب سجدتها، وكان يُصلّي بين المغرب والعشاء أربع ركعات يقرأ فيهنّ «السّجدة» و «ياسين» و «تبارك» و «الدّخان»، ويُصلّي كلّ ليلة جمعة بين العشاءين صلاة التّسبيح ويُطيلها، ويصلّي يوم الجمعة ركعتين بمائة قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ. وحكى ولده عَنْ أهله: أَنَّهُ كَانَ يُصلّي في كلّ يوم وليلة اثنتين وسبعين ركعة نافلة".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٣٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٣٧٨