تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال أبو حامد ابن الكرجي: سمعت مسلم بن الحجاج، وكتب معي هذا الحديث مع عبدالرحمن بن بشر بن الحكم عن موسى بن عبدالعزيز، يقول: لا يروى في هذا الحديث إسناد أحسن من هذا.

وقال الإمام أبو بكر بن أبي داود السجستاني: سمعت أبي يقول: ليس في صلاة التسبيح حديث صحيح غير هذا - يعني حديث عكرمة عن ابن عباس.

وأخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين مصححاً له، ثم رواه أيضاً من طريق حيوة بن شريح عن يزيد بن أبي حبيب عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم علّم هذه الصلاة جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - فذكرها. ثم قال الحاكم: هذا إسناد صحيح لا غبار عليه.

وهذان التصحيحان كلاهما يعارض ذكر ابن الجوزي له في كتابه «الموضوعات»، وتبين أنه أخطأ في ذلك، ولا بد هو ساقه من ثلاث طرق. منها اثنان في إسناد كل منهما رجل ضعيف، والثالث: طريق ابن عباس المتقدمة.

واعترض عليها بأن موسى بن عبدالعزيز مجهول، وليس هو كذلك. فقد روى عنه جماعة من الثقات، وتقدم أن ابن معين والنسائي قالا فيه: لا بأس به. فليس بمجهول قطعاً، ثم لا يلزم من كونه مجهولاً والآخرين ضعيفين أن يكون الحديث موضوعاً، لا سيما مع تصحيح من تقدم. وللحديث طرق أخرى كثيرة غير ما ذكرنا.

فأما ما ذكره السائل من أن الإمام أحمد بن حنبل طعن فيه. فقد ذكر الخلال في كتاب «العلل» أن علي بن سعيد النسائي قال: سألت أحمد بن حنبل عن صلاة التسبيح فقال: لم يصح عندي منها شيء. فقلت له حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.

فقال: كل يرويه عن عمرو بن مالك النكري. فقلت: قد رواه أيضاً مستمر بن الريان. فقال: من حدثك؟ قلت: مسلم بن إبراهيم. فقال: مسلم شيخ ثقة، وكأنه أعجبه.

فهذا تقوية منه للحديث بسند آخر غير ما تقدم.

وقد حكى الترمذي عن الإمام عبدالله بن المبارك ما يقتضي تقوية هذا الحديث. وذكر استحباب فعلها من أصحابنا الروياني في البحر، والبغوي في شرح السنة. وذكرها من أئمة الحنابلة جماعة، منهم: أبو الوفاء بن عقيل، والشيخ موفق الدين المقدسي، وغيرهما. والله أعلم".

قلت: ما نقل عن الإمام مسلم لا يعني أنه يرى صحة الحديث، وإنما هو أحسن إسناد من بين الأسانيد الأخرى، فالحسن هنا بالنسبة لغيره، على أن لفظ الحسن عند المتقدمين يُطلق غالبا على الغريب.

وأما تصحيح الحاكم فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.

وقال ابن المُلقن في «البدر المنير»: "وهذا الإِسْنَاد جيد، عبدالرَّحْمَن بن بشر احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ، وَشَيْخه قَالَ فِيهِ يَحْيَى بن معِين: لَا بَأْس بِهِ، وَشَيْخه وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين، وَكَانَ أحد الْعباد، وَسكت عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد فَهُوَ حسن أَو صَحِيح عِنْده، لَا جرم ذكره ابن السكن فِي «سنَنه الصِّحَاح المأثورة» ".

ثم قال: "وأغْرب ابن الجَوْزِيّ فروَى هذَا الحَدِيث فِي «مَوْضُوعَاته» من حَدِيث الْعَبَّاس وابْنه وَأبي رَافع وضعفها كلهَا ... وَذكره لهَذَا الحَدِيث فِي «مَوْضُوعَاته» من الغلو، وَله فِي هذَا الْكتاب أَشْيَاء تساهل فِي دَعْوَى وَضعهَا، وحقها أَن تذكر فِي الْأَحَادِيث الضعيفة بل بَعْضهَا حسن أَو صَحِيح. وَقد أنكر غير وَاحِد عَلَيْهِ فعله فِي هَذَا التصنيف. قالَ الْحَافِظ محب الدَّين الطَّبَرِيّ: لم يكن لهُ أَن يذكر هذَا الحَدِيث فِي الموضوعات فقد خرجه الحفَّاظ. قلت: مثل أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم كَمَا سلف قَالَ: وَله مثل هَذَا كثير - عَفا الله عَنهُ.

وَقد رُوِيَ عَن ابن عَبَّاس أَنه كَانَ يواظب عَلَى فعلهَا بعد الزَّوَال فِي كل جُمُعَة، قالَ الْعلمَاء: وَإِذا عمل الصَّحَابِيّ بِحَدِيث دلَّ عَلَى قوته، وَلَا الْتِفَات إِلَى قَول من زهد فِيهَا، وَقد رُوِيَ عَن أبي دَاوُد أَنه قالَ: عرضت السّنَن بعد فراغها عَلَى أَحْمد بن حَنْبَل فارتضاها وَلم يُنكر مِنْهَا شَيْئا، وَصَلَاة التَّسْبِيح مثبتة فِيهَا، وشيوخ الحَدِيث قد ينقلون الحَدِيث من طَرِيق صَحِيحَة، ثمَّ من طَرِيق ضَعِيفَة فيطلقون عدم الصِّحَّة، ويريدون مَا نقل بِالطَّرِيقِ الضَّعِيف، وَجُمْهُور الْفُقَهَاء لم يمنعوا صَلَاة التَّسْبِيح مَعَ اخْتلَافهمْ فِي الْمَنْع من تَطْوِيل الِاعْتِدَال. هذَا آخر كَلَام الْحَافِظ - رَحِمَهُ اللَّهُ ... ".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٣٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٣٧٧