وقالَ المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي «الأَحْكَام»: "جُمْهُورُ الْعُلْمَاءِ لَمْ يَمْنَعَوْا مِنْ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ، مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي تَطْوِيلِ الِاعْتِدَالِ، وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَقَدْ صَرَّحَ أَبُو مُحَمَّدِ الْجُوَيْنِيُّ بِاسْتِثْنَاءِ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ مِنْ ذَلِكَ".
وقال التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ: "صَلَاةُ التَّسْبِيحِ مِنْ مُهِمَّاتِ مَسَائِلِ الدِّينِ، وَحَدِيثُهَا حَسَنٌ، نَصَّ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا أَبُو حَامِدٍ، وَصَاحِبُهُ الْمَحَامِلِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَوَلَدُهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَصَاحِبُهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمْ".
وقال: "لا يُغْتَرُّ بِمَا وَقَعَ فِي الْأَذْكَارِ - أي كتاب النووي-، فإِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَاعْتَمَدَ عَلَى قَوْلِ الْعُقَيْلِيُّ: إِنَّ حَدِيثَهَا لَا يَثْبُتُ ... والظَّنُّ بِهِ أَنَّهُ لَوِ اسْتَحْضَرَ حَدِيثَ ابنِ عَبَّاسِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ لِمَا قَالَ ذَلِكَ".
قال ابن حجر معقباً: " قُلْتُ: والشَّيْخُ - أي النووي- وإِنْ ضَعَّفَ الْحَدِيثَ، فَآخِرُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي التَّرْغِيبَ فِي فِعْلِهَا، فقد قالَ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ الرُّويَانِيِّ: فيَكْثُرُ الْقَائِلُ بِهَذَا الحُكْمِ، وَيُسْتَفَادُ مِمَّا قَالَهُ السُّبْكِيُّ زِيَادَةُ الْقَائِلِينَ بِهَا مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمِمَّنْ لَمْ يَذْكُرَاهُ: القَاضِي حُسَيْنٌ، وَصَاحِبَاهُ الْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي، وَمِنْ قُدَمَائِهِمْ: أَبُو عَلِيٍّ زَاهِرُ بنُ أَحْمَدَ السَّرْخَسِيُّ، قال: ثَبَتَ ذِكْرُ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ فِي إِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَفِيهِ فَضْلٌ كَثِيرٌ، نَقَلَهُ عَنْهُ الطَّبَرِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ فِي كِتَابِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وقدِ اخْتَلَفَ كَلَامُ الشَّيْخِ فِي هذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ فِي الْأَذْكَارِ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ، وَفِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ: إِنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي الْمَجْمُوعِ لهُ: حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ، وَفِيهَا تَغْيِيرُ نُظُمِ الصَّلَاةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لا تُفْعَلَ، وَفِي كِتَابِ التَّحْقِيقِ لَهُ نَحْوُ هذَا، وَأَجَابَ السُّبْكِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا تَغْيِيرٌ إِلَّا فِي الجُلُوسِ قَبْلَ الْقِيَامِ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَكَذَا الرَّابِعَةِ، وَذَاكَ مَحَلُّ جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ، فَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا تَطْوِيلُهَا، لَكِنَّهُ بِالذِّكْرِ، وَأَجَابَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّ النَّافِلَةَ يَجُوزُ فِيهَا الْقِيَامُ وَالْقُعُودُ حَتَّى فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ، قُلْتُ: وَظَهَرَ لِي جَوَابٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنَّ هذِهِ الْجَلْسَةَ ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّتُهَا فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ فَهِيَ كَالرُّكُوعِ الثَّانِي فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ".
وفي فتاوى ابن الصلاح لما سئل عن "إِمَام يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاة التَّسْبِيح المروية عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليَالِي الْجمع وغَيرهَا، فَهَل يُثَاب ويثابون على ذَلِك أم لَا؟ وَهل هِيَ من السّنة أم من الْبِدْعَة؟ وَهل صحت عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من طَرِيق أم لَا؟ وَهل من أنكر على مصليها مُصِيب أم مُخطئ؟ وعَلى تَقْدِير تخصيصها بليلة الجُمُعَة هَل هِيَ صَحِيحَة فِي نَفسهَا أم لَا؟ وعَلى تَقْدِير صِحَّتهَا فَهَل يُثَاب ويثابون عَلَيْهَا؟ "