وقال الشوكانى في «السيل الجرار» - بعد أن نقل قول صاحب «حدائق الأزهار»: [والمسنون من النفل، قد يؤكد كالرواتب، ويُخص كصلاة التسبيح]-: "فالعجب من المصنِّف حيث يعمد إلى صلاة التسبيح التي اختلف النَّاس في الحديث الوارد فيها، حتى قال من قال من الأئمة: إنَّه موضوع، وقال جماعة: إنه ضعيف لا يحل العمل به، فيجعلها أول ما خصَّ بالتخصيص.
وكل من له ممارسة لكلام النَّبوة لا بد أن يجد في نفسه من هذا الحديث ما يجد، وقد جعل الله في الأمر سعة عن الوقوع فيما هو متردد ما بين الصحة والضعف والوضع، وذلك بملازمة ما صحَّ فعله أو الترغيب في فعله صحة لا شك فيها ولا شبهة، وهو الكثير الطيب".
·…ما فُهم عن أحمد أن رأيه تغيّر في حكمه على هذه الصلاة! والرد على ذلك:
قال أبو بكر الخلاّل في «العلل»: قال علي بن سعيد: سألت أحمد بن حنبل، عن صلاة التسبيح؟ قال: "ما يصح عندي فيها شيءٌ، فقلتُ: حديث عبدالله بن عمرو، قال: كل من يرويه عن عمرو بن مالك - يعني وفيه مقال-! فقلت: وقد رواه المستمر بن الرّيان عن أبي الجوزاء، قال: من حدّثك؟ قلت: مسلم - يعني ابن إبراهيم-، فقال: المستمر شيخ ثقة، وكأنه أعجبه".
ففهم بعض أهل العلم أن هذه الطريق نالت إعجاب الإمام أحمد، ورجع إليها!
قال الحافظ ابن حجر في «أجوبة المشكاة»: وقد جاء عن أحمد أنه رجع عن ذلك، فقال علي بن سعيد النسائي: سألت أحمد عن صلاة التسبيح؟ فساق القصة، ثم قال: "فهذا النقل عن أحمد يقتضي أنه رجع إلى استحبابها، وأما ما نقله عن غيره، فهو معارض بمن قوّى الخبر فيها، وعمل بها".
قلت: ليس في القصة أي تصريح أنه رجع إلى استحبابها، وإنما لما روجع في أحاديثها وقيل له إن المستمر رواه قال بأنه ثقة، وهذا لا يعني ما فهم عنه من أنه أعجبه أي أنه رجع إلى استحبابها، فإعجابه بالطريق الذي هو من رواية المستمر لا يعني بالضرورة أنه رجع عن رأيه، بل على العكس قد يُفهم أيضا استغرابه لطريق المستمر لأنه ثقة.
والذين نقلوا عن أحمد تصريحه بإنكارها لا يُعارض بهذا الفهم غير الصريح.
·…رد النووي على من نسب تصحيح الدارقطني لهذه الصلاة:
وقال النووي في «الأذكار»: "قلت: قال الإِمام أبو بكر بن العربي في كتابه (الأحوذيّ في شرح الترمذي): حديث أبي رافع هذا ضعيف ليس له أصل في الصحة ولا في الحسن، قال: وإنما ذكره الترمذي لينبّه عليه لئلا يغترّ به، قال: وقول ابِن المبارك ليس بحجة، هذا كلام أبي بكر بن العربي. وقال العُقَيْلي: ليس في صلاة التسبيح حديث يثبت، وذكر أبو الفرج بن الجوزي أحاديثَ صلاة التسبيح وطرقها، ثم ضعَّفها كلَّها وبيّن ضعفَها، ذكره في كتابه في الموضوعات.
وبلغنا عن الإِمام الحافظ أبي الحسن الدارقطني رحمه الله أنه قال: (أصحُّ شيء في فضائل السوَر فضل قل هو الله أحد، وأصحّ شيء في فضائل الصلوات فضل صلاة التسبيح)، وقد ذكرتُ هذا الكلامَ مسندًا في كتاب (طبقات الفقهاء) في ترجمة أبي الحسن عليّ بن عمر الدارقطني، ولا يلزم من هذه العبارة أن يكون حديثُ صلاة التسبيح صحيحًا، فإنهم يقولون: هذا أصحُّ ما جاء في الباب، وإن كان ضعيفًا، ومرادُهم أرجحُه وأقلُّه ضعفًا".
·…أقوال من صحح حديث صلاة التسبيح من أهل العلم:
قال البيهقي: "كان عبدالله بن المبارك يفعلها، وتداوله الصالحون بعضهم عن بعض، وفيه تقوية للحديث المرفوع".
وقال الزركشي في «تخريج أحاديث الرافعي»: "غلط ابن الجوزي بلا شك في إخراج حديث صلاة التسبيح في الموضوعات، وهو صحيح وليس بضعيف فضلاً عن أن يكون موضوعاً، وابن الجوزي يتساهل في الحكم بالوضع".
وقال العلائي في «النقد الصحيح لما اعترض من أحاديث المصابيح»: "صلاة التسبيح: وهو حديث حسن صحيح، رواه أبو داود وابن ماجه بسند جيد إلى ابن عباس رضي الله عنهما ...