تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالرجل صدوق وإن وجدنا رواية أخطأ فيها أو فيها نكارة فإننا نردها، ووالده شريك العامري من أصحاب عليّ - رضي الله عنه- وكان عليّ ينزل عليه.

والقصة التي رواها ليست منكرة ولم يتفرد بها، فقد رواها الطبري في «تهذيب الآثار - مسند عليّ» (3/ 82) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ خَلَفٍ، قالَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بنُ عُمَرَ، عَنْ عَلِيِّ بنِ هاشِمٍ، عَنْ مَعْرُوفِ بنِ خَرَّبُوذَ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عامر بن واثلة، قَالَ: «أُتِيَ عَلِيٌّ بِقَوْمٍ زَنَادِقَةٍ، فَقَالُوا: أَنْتَ هُوَ، قالَ: مَنْ أَنَا؟ قَالُوا: أَنْتَ هُوَ، قَالَ: وَيْلَكُمْ مَنْ أَنَا؟ قَالُوا: أَنْتَ رَبُّهُمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّ قَوْمَ إِبْرَاهِيمَ غَضِبُوا لِآلِهَتِهِمْ فَأَرَادُوا أَنْ يُحَرِّقُوا إِبْرَاهِيمَ بِالنَّارِ، فَنَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَغْضَبَ لِرَبِّنَا، ثُمَّ قَالَ: يَا قَنْبَرُ، دُونَكَهُمْ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ، ثُمَّ حَفَرَ لَهُمْ حُفَرَ النَّارِ، وَأَلْقَاهُمْ فِيهَا، فَأَنْشَأَ النَّجَاشِيُّ الْحَارِثِيُّ يَقُولُ:

لِتَرْمِ بِيَ الْمَنَايَا حَيْثُ شَاءَتْ ... إِذَا لَمْ تَرْمِ بِي فِي الْحُفْرَتَيْنِ

إِذَا مَا قَرَّبُوا حَطَبًا، وَنَارًا ... فَذَاكَ الْهُلْكُ نَقْدًا غَيْرَ دَيْنٍ».

قلت: وهذا إسناد حسن، ومعروف بن خربوذ صدوق شيعي، وكان يهم، وفي حديثه أن علياً ضرب أعناقهم ثم حرقهم، وهذا وهم، وهذا ما احتج به الطبري على مذهبه الذي أشرت إليه سابقاً، لكن في رواية شريك العامري أنه طرحهم في النار مباشرة، ويؤيد ذلك حديث عكرمة عن ابن عباس.

فالقصة صحيحة معروفة وليست منكرة كما ادّعى (العداب)! ولما روى الإمام الحميدي حديث عكرمة في «مسنده» (1/ 244) عن سفيان عن أيوب، قالَ سُفْيَانُ: «فَقَالَ عَمَّارٌ الدُّهْنِيُّ - وَهُوَ فِي المَجْلِسِ: مَجْلِسِ عَمْرِو بنِ دِينَارٍ - وَأَيُّوبُ يُحَدِّثُ بِهَذَا الحَدِيثِ: "إِنَّ عَلِيًّا لَمْ يَحْرِقْهُمْ! إِنَّمَا حَفَرَ لَهُمْ أَسْرَابًا وَكَانَ يُدَخِّنُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا حَتَّى قَتَلَهُمْ". فقَالَ عَمْرُو بنُ دِينَارٍ: أَمَا سَمِعْتَ قَائِلَهُمْ وهُوَ يَقُولُ:

لِتَرْمِ بِيَ الْمَنَايَا حَيْثُ شَاءَتْ ... إِذَا لَمْ تَرْمِ بِي فِي الْحُفْرَتَيْنِ

إِذَا مَا قَرَّبُوا حَطَبًا وَنَارًا ... هُنَاكَ الْمَوْتُ نَقْدًا غَيْرَ دَيْنِ».

قلت: فها هم أكابر أهل العلم يصححون الرواية.

وروى ابن شاهين في السنة عن عمرو بن سعيد، قال: «أتي علي بقوم من الزنادقة فأمر بحفرتين فحفرنا وأوقد فيهما النار، ثم قذفهم فيها، وأنشأ يقول:

لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أوقدت ناري ودعوت قنبرا".

فالقصة صحيحة ومشهورة، وبهذا يتبيّن لنا أن كلام (عداب) في آخر مقاله: "أنّ عليّاً لم يحرق أحداً، وإنما هي وهمٌ أو فريةٌ من عكرمة الخارجيّ"!!! كلام غير صحيح، والوهم والافتراء منه! وعكرمة ليس خارجياً ولا مُفترياً! وإنما (عداب) هو المفتري (الكذاب).

تتمة:

ورد في بعض الروايات أن علياً لما وصله كلام ابن عباس، قال: «ويح ابن عبّاس». وهذا الكلام لا يوجد في الصحيح، فالبخاري روى الحديث في موضعين ولم يذكر هذا الكلام.

بل قد اختلفت الرواية على أيوب في ذلك:

فرواه أحمد في «المسند» (1/ 282) عن وُهيب، عن أَيُّوبَ، عن عِكْرِمَةَ. وفي آخره: «فَبَلَغَ عَلِيًّا ما قال ابن عَبَّاسٍ، فقال: وَيْحَ ابن أُمِّ عَبَّاسٍ».

ورواه الدارقطني في «السنن» (3/ 108) عن إسماعيل بن عُلّية. ورواه الحاكم في «المستدرك» (3/ 620) من طريق عبدالوارث بن سعيد، كلاهما عن أيوب. وفي آخره: «ويح ابن عبّاس».

ورواه البُلاذري في «أنساب الأشراف» (4/ 35) عن عَمْرو بن مُحَمَّدٍ، قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابنِ عَوْنٍ [كذا فيه وهو خطأ! والصواب: أيوب] عَنْ عِكْرِمَةَ. وزاد فيه: «فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فقَالَ: لِلَّهِ دَرُّ ابنِ عَبَّاسٍ».

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٣٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٣٧٢