قلت: لم يثبت أن علياً حرقهم بعد قتلهم، وإنما حرقهم مباشرة كما دلّ عليه حديث عكرمة وغيره، ومن ثم أجاز بعض أهل العلم الحرق ابتداء إذا كان الفعل عظيماً، فقالوا: إن علياً حرقهم لشناعة فعلهم وهو أنهم كانوا يعبدون الأصنام، وفي بعض الروايات أن هؤلاء ممن جعلوه إلهاً! وأخذ بعضهم به امتثالاً للحديث «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضّوا عليها بالنواجذ» فعدوا هذا سنة من عليّ.
وعلى الاختلاف بين العلماء في مسألة جواز العقاب بالتحريق ابتداء أو قصاصاً، وأهل العلم على جوازه قصاصاً كما ذهب إليه البخاريّ وغيره.
ثامناً: احتجاجه في تضعيف الحديث بأن أبا بكر بن عيّاش كان مضطرباً في حديثه حجّة واهية! إذ لا يلزم من وصف بعض أهل النقد لراو أنه يضطرب في الحديث أن نضعّف كل حديثه، وعليه يجب أن نثبت أنه قد اضطرب في حديثه الذي نتكلم عليه! إضافة إلى أن أبا بكر قد وثقه كثير من أهل النقد وقالوا بأنه يهم ويخطئ ومن يسلم من هذا، وكونه كان يخطئ في آخر عمره، فقد نصّ بعض أهل العلم على أنه إذا حدث من كتابه فإنه يضبط، فالأمر يحتاج إلى تفصيل.
ثم إنه لم يتفرد بالحديث حتى نحكم بضعفه لأنه يضطرب ولم يخرّج له الإمام مسلم، فقد توبع عليه كما بينت، فسقط كلام (العداب)!
تاسعاً: وأما دعواه بأن حديث "عبدالله بن شريك العامري عن أبيه عن عليّ" منكر! لأنه تفرد به، وهو لا يستحق أن يروى عنه بتاتاً لأنه قد رمي بالكذب من الشيعي الأزدي، وتركه ابن مهدي!! فهذه دعاوى باطلة من رجل يعدّ نفسه مُحدثاً!!! - والله المستعان-.
أما قوله بأن أبا الفتح الأزدي شيعيّ فهذا كلام ليس بصحيح، وقد بينت ذلك في رسالتي العلمية بالأدلة المستفيضة. وإنما أراد (عداب) رد رواية عبدالله بن شريك وهو متهم بالتشيع برمي الشيعي الأزدي له بالكذب!! وهذا منهج خبيث في الانتصار للرأي وهوى من صاحبه!
ثم إن الأزدي لم يرمه بالكذب! وإنما قال فيه: "من أصحاب المختار، لا يُكتب حديثه" [تهذيب التهذيب: 5/ 223].
والذي رماه بالكذب هو الجوزجاني السعدي، فقال: "عبدالله بن شريك مختاري كذاب".
قال ابن عدي في «الكامل» (4/ 174): "وقول السعدي: مختاري، أي هو من أصحاب مختار بن أبي عبيد، وليس له من الحديث إلا الشيء اليسير".
وقال ابن حجر في «التقريب» (ص 307): "عبدالله بن شريك العامري الكوفي: صدوق يتشيع، أفرط الجوزجاني فكذّبه".
وقال الذهبي في «الميزان» (4/ 119): "وكان في أوائل أمره من أصحاب المختار، ولكنه تاب".
فأهل النقد مختلفون في أمره كما قال (عداب) لكنه استغل النصوص وحاول إيهام القارئ أن كلامه هو الصحيح؛ لأنه يريد أن يحكم على القصة بالنكارة ويرد على ابن حجر بتحسين الإسناد.
قال أحمد وابن معين وأبو زرعة ويعقوب بن سفيان: "ثقة". وقال الدارقطني: "لا بأس به".
وقال أبو حاتم والنسائي: "ليس بقوي". وقال النسائي في موضع آخر: "ليس به بأس".
ولم يكذبه إلا الجوزجاني، وكأنه كذبه لأنه كان من أصحاب المختار بن أبي عبيد الكذاب، لكنه تاب كما قال الإمام الذهبي.
وترك ابن مهدي لحديثه لا يضره، فكم من راوٍ تركه ابن مهدي ولم يتركه غيره، والعكس. وأما ابن حبان فإنه ذكره في «الثقات» في التابعين (5/ 22) وقال: "عبدالله بن شريك العامري: يروي عن ابن عمر، عداده في أهل الكوفة، روى عنه الثوري وشريك".
ثم أعاده في اتباع التابعين (7/ 41) وقال: "عبدالله بن شريك العامري: كوفي، يروي عن جماعة من التابعين، روى عنه أهل الكوفة".
ثم ذكره في كتاب «المجروحين» (2/ 26) وقال: "عبدالله بن شريك العامري: يروي عن أهل الكوفة، روى عنه أهلها، كان غالياً في التشيع، يروي عن الأثبات ما لا يشبه حديث الثقات، فالتنكب عن حديثه أولى من الاحتجاج به، وقد كان مع ذلك مختارياً".