قلت: وهذا الحديث الصواب فيه الوقف على عبدالرحمن بن عبيد.
قال البخاري في «التاريخ الكبير»: "عَبْدالرَّحْمَن بن عُبَيْد عن مُعَاوِيَة، وروى ابن ابن الديلمي عَنْ عَبْدالرَّحْمَن بن عُبَيْد النميري قَوْله، فإن لم يكن صاحب مُعَاوِيَة فلا أدري".
ووالد عبدالرحمن عُبيد قيل له صحبة.
قال البخاري في «التاريخ الكبير»: "مغيرة بْن عَبْدالرَّحْمَن بن عُبَيْد عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - قَالَه حماد بن سلمة عَنْ عيسى بْن سنان".
وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (6/ 6): "عُبيد: جد المغيرة بن عبدالرحمن بن عبيد. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الإيمان ثلاثمائة وثلاث وثلاثون شريعة»، ورأى عثمان رضي الله عنه. وروى عن المغيرة بن حديج، روى عنه ابن ابنه المغيرة بن عبدالرحمن بن عبيد بن حديج. سمعت أبي يقول ذلك".
قلت: فهذا الأثر يُحتج به في إثبات أصل قصة التحريق، وهو شاهد قويّ. فإن قيل: عبدالرحمن بن عبيد مجهول، فيجاب: رواية الثقة وهو عبدالرحيم عنه ترفع عنه الجهالة، وما رواه ليس منكراً، فأقل أحواله أنه مستور الحال، وعُبيد والده إن لم يكن صحابياً فالأقرب أنه كان من أصحاب عليّ رضي الله عنه.
ثم ساق ابن أبي شيبة في كتابه رواية أخرى قال: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بنِ نُعْمَانَ، قالَ: «شَهِدْتُ عَلِيًّا فِي الرَّحْبَةِ، وَجَاءَ رَجُلٌ، فقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَاهُنَا أَهْلَ بَيْتٍ لَهُمْ وَثَنٌ فِي دَارِهِمْ يَعْبُدُونَهُ، فَقَامَ عَلِيٌّ يَمْشِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى الدَّارِ، فَأَمَرَهُمْ فَدَخَلُوا، فَأَخْرَجُوا إِلَيْهِ تِمْثَالَ رُخَامٍ، فَأَلْهَبَ عَلِيٌّ الدَّارَ».
قلت: أيوب بن النعمان فيه كلام.
قال البخاري في «التاريخ الكبير» (1/ 424): "أَيوب بن النعمان. قالَ مُحَمد بن عُبَيد، قال: حدَّثنا أَيوب بن النعمان، قالَ: صليتُ خلف زيد بْن أَرقم على جِنازةٍ، فَكَبَّرَ عليها خمساً. حديثُه فِي الكوفِيين".
وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/ 260): "أيوب بن النعمان بن سعد: روى عن زيد بن أرقم، وعن أبيه. روى عنه: مروان بن معاوية (173 هـ) ومحمد بن عبيد (هو: الطنافسيّ ت 203 هـ). يُعدّ في الكوفيين. سمعت أبي وأبا زرعة يقولان ذلك غير أن أبا زرعة لم يذكر روايته عن أبيه فقط".
وقال الدارقطني: "أيوب بن النعمان: ليس بقوي".
ونقل ابن حجر في «لسان الميزان» (1/ 490) عن الأزدي أنه قال فيه: "ليّن، وسمى جدّه: عبدالله بن كعب".
قلت: كأنه لينه فيما يسنده مرفوعاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأما ما يرويه مما شاهده من فعل الصحابة فهذا مما يُقبل سيما وأنه قد توبع على هذا الأمر، فروايته هذه تعدّ شاهداً لقصة تحريق عليّ للزنادقة ممن ارتدوا عن الإسلام بسبب عبادتهم للأصنام أو أي فعل آخر قاموا به صاروا به مرتدين عن الإسلام.
فهذه الطرق تشهد لحديث سويد وكذلك لحديث عكرمة في قصة تحريق عليّ لمن ارتد عن الإسلام، وأسانيدها كوفية تدلّ على شهرة القصة عندهم، فكيف يأتي (العداب) وينفي القصة من أساسها!! هل هذا هو التحقيق العلمي لأهل الحديث؟!!
تنبيه:
ذهب الطبري في «تهذيب الآثار - مسند عليّ» (3/ 77) إلى أن تحريق عليّ للزنادقة الذين ارتدوا عن الإسلام كان بعد أن قتلهم، وساق بعض الروايات في ذلك، وكذلك ساق الروايات المطلقة التي فيها التحريق دون ذكر القتل، وذكر حديث «لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا اللَّهُ» ثم قال: "هذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ غَيْرُ مُدَافَعٍ، مَعْنَاهُ مَعْنَى مَا رَوَى عَلِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِهِ بِإِحْرَاقِ جِيفَةِ الْمُشْرِكِ الَّذِي جُعِلَ لَهُ عَلَى قَتْلِهِ بَعْدَ قَتْلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَعْذِيبَ عَلَى مَقْتُولٍ أَوْ مَيِّتٍ فِي إِحْرَاقِ جِيفَتِهِ، وَإِنَّمَا التَّعْذِيبُ لَهُ فِي إِحْرَاقِهِ حَيًّا، وَهُوَ الْإِحْرَاقُ الَّذِي رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْهُ، فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ إِحْرَاقُ حَيٍّ بِالنَّارِ، لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ أَنْ يُعَذِّبَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَحَدًا بِالنَّارِ، مُشْرِكًا كَانَ أَوْ مُسْلِمًا، فَأَمَّا إِحْرَاقُ جِيفَتِهِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَحْظُورٍ، إِذَا كَانَ الْمُحَرَّقَةُ جِيفَتُهُ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى الشِّرْكِ، أَوْ عَلَى كَبِيرَةٍ مُصِرٍّ عَلَيْهَا، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْقَتْلُ قَتْلًا عَلَى الرِّدَّةِ، فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ الصِّدِّيقُ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الْمُهَاجِرِينَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ، فَأَحْرَقَ جِيَفَهُمْ بَعْدَ الْقَتْلِ، وَفَعَلَهُ أَيْضًا مِنْ بَعْدِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِقَوْمٍ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ".