قلت: فهذا إسناد صحيح، وهو يؤيد حديث أبي بكر بن عياش عن أبي حصين عن سويد. فأين الشذوذ الذي ادّعاه (العداب)؟!!
والعجب من (عداب) نقل تضعيف الشافعي لرواية عكرمة عن ابن عباس، والشافعي نفسه روى قصة التحريق في كتابه أيضاً «الأم» باب الحدود (7/ 182) ولم يضعفها! ولكنه خالف رأي عليّ في ذلك والزم العراقيين بمخالفة رأي عليّ في ذلك.
قال الشَّافِعِيُّ: أخبرنا أبو بَكْرِ بن عَيَّاشٍ [وعند البيهقي في معرفة السنن والآثار: قال الشافعي فيما بلغه عن أبي بكر بن عياش]، عن أبي حصَيْنٍ، عن سُوَيْد بن غَفَلَةَ: «أَنَّ عَلِيًّا رضي اللَّهُ عنه أتى بِزَنَادِقَةٍ فَخَرَجَ بِهِمْ إلَى السُّوقِ فَحَفَرَ لهم حُفَرًا فَقَتَلَهُمْ ثُمَّ رَمَى بِهِمْ في الْحُفَرِ فَحَرَّقَهُمْ بِالنَّارِ». [في رواية ابن أبي شيبة أنه حرقهم ولم يذكر أنه قتلهم ثم حرقهم!].
قال الشافعي: "وهُمْ يُخَالِفُونَ هذا! فيَقُولُونَ لا يُحَرِّقُ بِالنَّارِ أَحَدٌ. أَمَّا نَحْنُ فَرَوَيْنَا عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ نهى أَنْ يُعَذِّبَ أَحَدٌ بِعَذَابِ اللَّهِ فَقُلْنَا بِهِ، ولا نُحَرِّقُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا".
ثم ساق الشافعي عن أبي عَمْرٍو السيْبَانِيِّ: «أَنَّ رَجُلًا تَنَصَّرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ فأتي بِهِ إلَى عَلِيٍّ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه فَجَعَلَ يَعْرِضُ عليه، فقال: لا أَدْرِي ما تَقُولُ غير أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنَّ الْمَسِيحَ بن اللَّهِ فَوَثَبَ إلَيْهِ عَلِيٌّ رضي اللَّهُ تعالي عنه فَوَطِئَهُ، وَأَمَرَ الناس أَنْ يطؤوه، ثُمَّ قال: كُفُّوا فَكُفُّوا عنه فإذا هو قد مَاتَ».
قال الشافعي: "وهُمْ لا يَأْخُذُونَ بهذا! يَقُولُونَ: لا يَقْتُلُ الْإِمَامُ أَحَدًا بِهَذِهِ الْقِتْلَةِ وَلَا يَقْتُلُ إلَّا بِالسَّيْفِ".
قال البيهقي: "أوردهما - أي الشافعي- إلزاماً للعراقيين في خلاف علي رضي الله عنه".
قلت: فإيراد الشافعي لهذين الأثرين من فعلّ عليّ يريد إلزام العراقيين بمخالفة عليّ إذ لا يقولون بهما، ففي ذلك إشارة منه إلى صحة ما رُوي عن عليّ في ذلك.
وقوله: "أَمَّا نَحْنُ فَرَوَيْنَا عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ نهى أَنْ يُعَذِّبَ أَحَدٌ بِعَذَابِ اللَّهِ فَقُلْنَا بِهِ"، فهذا يُروى في حديث ابن عباس الذي ضعّفه، وكذلك في حديث لأبي هريرة، ولم يشير إلى هذا الحديث، وأكبر ظنّي أنه احتج بهذا بحديث عكرمة عن ابن عباس، والله أعلم.
ثامناً: العجب من (عداب) كيف ساق رواية واحدة من كتاب ابن أبي شيبة وضعّفها! وأعرض عن بقية الروايات في الباب نفسه!!
ذكر ابن أبي شيبة في «المصنف» (5/ 563) باب «في الزَّنَادِقَةِ مَا حَدُّهُمْ؟» وساق أولاً حديث سويد بن غفلة، ثم ساق رواية ثانية قال: حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّحِيمِ بنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قالَ: «كانَ أُنَاسٌ يَأْخُذُونَ العَطَاءَ وَالرِّزْقَ وَيُصَلُّونَ مَعَ النَّاسِ، كَانُوا يَعْبُدُونَ الأَصْنَامَ فِي السِّرِّ، فَأُتِيَ بِهِمْ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ فَوَضَعَهُمْ فِي المَسْجِدِ، أَوْ قالَ: فِي السِّجْنِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا تَرَوْنَ فِي قَوْمٍ كَانُوا يَأْخُذُونَ مَعَكُم العَطَاءَ وَالرِّزْقَ، وَيَعْبُدُونَ هذِهِ الأَصْنَامَ؟ قالَ النَّاسُ: اقْتُلْهُمْ، قالَ: لا، ولَكِنْ أَصْنَعُ بِهِمْ كَمَا صُنِعَ بِأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ صلوات الله عليه، فَحَرَّقَهُمْ بِالنَّارِ».
قلت: عبدالرحيم بن سليمان الكناني الكوفي ثقة من رواة الصحيحين، وعبدالرحمن بن عبيد مستور الحال.
قال ابن حجر في «الإصابة» (4/ 332): "عبدالرحمن بن عبيد النميري، ذكره ابن أبي عاصم في الوحدان، وأبو نعيم من طريقه، وأخرج من طريق يحيى بن أبي عمرو السيباني - بالمهملة - عن عبدالله بن الديلمي، عن عبدالرحمن بن عبيد النميري، قال: «إن للإسلام خمس عشرة وثلاثمائة شريعة ... الحديث». قال ابن أبي عاصم: لم أره في كتابي مرفوعاً، وقد رواه حماد عن أبي يسار عن المغيرة بن عبدالرحمن بن عبيد عن أبيه عن جدّه مرفوعاً، واستدركه أبو موسى".