وما رواه عبدالرَّزَّاقِ عن مَعْمَر، عن أَيُّوبَ، عن حُمَيْدِ بن هِلاَلٍ العَدَوِيّ، عن أبي بُرْدَةَ، قال: «قَدِمَ على أبي مُوسَى مُعَاذُ بن جَبَلٍ بِالْيَمَنِ فإذا رَجُلٌ عِنْدَهُ. قال: ما هذا؟ قال: رَجُلٌ كان يَهُودِيًّا فأسلم، ثُمَّ تَهَوَّدَ، وَنَحْنُ نُرِيدُهُ على الإِسْلاَمِ مُنْذُ - قال: أَحْسَبُهُ- شَهْرَيْنِ، فقال: والله لا أَقْعُدُ حتى تَضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فقال: قَضَى الله وَرَسُولُهُ أن من رَجَعَ عن دِينِهِ فَاقْتُلُوهُ - أو قال: من بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».
خامساً: العلة الثانية التي علل بها عداب الحديث "أنّ عكرمة لم يدرك عليّاً، فالحديث منقطع، والمنقطع من أنواع الحديث الضعيف! " ونقله تضعيف الرواية عن الشافعي ونقل كلام بعض أهل العلم أن عكرمة لم يسمع من عليّ!
فهذا كله يدل على جهل (عداب) بأصول علم الحديث!! فكيف يدّعي أنه من أساطين هذا العلم! - المُسيكين-!! فهو إما حقيقة جاهل أو أن الهوى حمله على ذلك!
الحديث لا يرويه عكرمة عن عليّ، وهل يخفى على البخاري أنه لم يسمع منه؟! مع أن الذهبي جوّز ذلك، فقال في «تذكرة الحفاظ»: "وروايته عن علي بن أبي طالب في سنن النسائي، وذلك ممكن؛ لأن ابن عباس ملّكه عندما ولي البصرة لعليّ".
وقال في «سير أعلام النبلاء»: "حدّث عن ابن عباس وعائشة وأبي هريرة ... وعلي بن أبي طالب، وذلك في النسائي، وأظنه مرسلاً".
وذهب بعض أهل العلم إلى أن رواية عكرمة عن عليّ مرسلة. لكن الحديث يرويه عكرمة عن ابن عباس، وإنما سبب تحديث ابن عباس للحديث بعد أن فعل عليّ ما فعله بالزنادقة. وليس الأمر كما توهم الشافعي بأن الحديث يرويه عكرمة عن عليّ، واحتج بذلك عداب!
وابن عباس كان والياً على البصرة لعليّ، فلما فعل عليّ ما فعل بالزنادقة بلغ الخبر لابن عباس فقال ما قال، والظاهر أن عكرمة كان شاهداً لما وصل الخبر ابن عباس، فهو كان في حد الشباب حينها.
فعليّ مات سنة (40 هـ) وعكرمة مولى ابن عباس مات سنة (105 هـ) وهو ابن ثمانين سنة، وهذا يعني أن ولادته كانت تقريباً سنة (25 هـ).
قال الذهبي في «تاريخ الإسلام»: "مَلَكَهُ ابنُ عَبَّاسٍ، إِذْ وُلِّيَ البَصْرَةَ، لِعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، فَلا يَبْعُدُ سَمَاعُهُ مِنْ عَلِيٍّ. قَالَ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ: كَانَ عِكْرِمَةُ بَرْبَرِيًّا لِلْحُصَيْنِ بنِ أَبِي الحُرِّ العَنْبَرِيِّ، فوهبه لابن عَبَّاسٍ حِينَ وُلِّيَ البَصْرَةَ".
قلت: وكان عليّ استخلف ابن عباس على البصرة بعد وقعة الجمل بخمسين يوماً كما قال الإمام الشعبي، وكانت الجمل بالبصرة سنة (36 هـ)، فيكون عمر عكرمة آنذاك (11) سنة تقريباً، وتحريق عليّ للزنادقة كان أثناء ولاية ابن عباس على البصرة (37 - 40)، ولا ندري في أي سنة بالضبط، وعلى كل الأحوال فعكرمة كان يافعاً أدرك هذه الحادثة وسمع ما قال ابن عباس عنها.
والحديث رواه سفيان بن عُيينة وحمّاد بن زيد وإسماعيل بن عُليّة وغيرهم، عن أَيُّوبَ، عن عِكْرِمَةَ قال: «أتى عَلِيٌّ رضي الله عنه بِزَنَادِقَةٍ - وفي رواية: ناساً ارتدوا عن الإسلام- فَأَحْرَقَهُمْ فَبَلَغَ ذلك ابن عَبَّاسٍ، فقال ... ».
ورواه سعيد بن أبي عروبة ومَعمر، كلاهما عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بدّل دينه فاقتلوه».
وهذا إسناد متصل صحيح لا غُبار عليه، ومن زاد فيه قصة تحريق عليّ لمن ارتدوا عن الإسلام لا يجعله منقطعاً. وما جاء في الحديث "فبلغ ابن عباس" أي وصل إليه الخبر لا أن "بلغ" هنا بمعنى الانقطاع كما في مصطلح الحديث. ولو أن الخبر لم يكن صحيحاً لما قال ابن عباس ما قال فيه.
سادساً: قول الشافعي في تضعيف الحديث بالانقطاع إنما نظر فيه إلى أن عكرمة رواه عن عليّ، وهو لم يسمع من عليّ! لكن قد بينت أن عكرمة رواه عن ابن عباس وإنما جاء ذكر فعل عليّ وهو ثابت، ولو لم يكن ثابتاً لما احتاج ابن عباس بأن يذكر ما سمعه من النبيّ صلى الله عليه وسلم.