قلت: وقد روى مسلم في «صحيحه» من حديث عَدِيِّ بن ثَابِتٍ، عن زِرٍّ، قال: قال عَلِيٌّ: «والَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إنه لَعَهْدُ النبي الْأُمِّيِّ صلى الله عليه وسلم إليّ: أَنْ لَا يُحِبَّنِي إلا مُؤْمِنٌ، ولا يُبْغِضَنِي إلا مُنَافِقٌ».
وعدي بن ثابت رُمي بالتشيّع.
فهل يرد (عداب) هذا الحديث كما رد حديث عكرمة؟!
وهذا كلّه إذا ثبت أن عكرمة كان خارجياً وكان داعية! فقد أثبت أنه لم يصح ما رُمي به!
ولا أدري كيف يسقط (عداب) كلام ابن حبان على عكرمة، وابن حبان نفسه لم يسقط كلامه على عكرمة، بل دافع عنه في هذا الباب، وصرّح بأنه ليس داعية إلى بدعته، فسقط استدلال عداب بقول ابن حبان!
قال ابن حبان في كتاب «الثقات» (6/ 284) في ترجمة «داود بن الحصين المدني» - وهو الذي تخفى عنده عكرمة حتى مات-: "وكان يذهب مذهب الشراة، وكل من ترك حديثه على الإطلاق وهم؛ لأنه لم يكن بداعية إلى مذهبه، والدعاة يجب مجانبة رواياتهم على الأحوال، فمن انتحل نحلة بدعة ولم يدع إليها وكان متقنا كان جائز الشهادة محتجاً بروايته، فان وجب ترك حديثه وجب ترك حديث عكرمة؛ لأنه كان يذهب مذهب الشراة مثله".
قلت: فهذا ابن حبان يقبل حديث عكرمة ويشير إلى أن أهل العلم قبوله، فمن ترك حديث داود لأنه كان صاحب بدعة فوجب ترك حديث عكرمة لأنه كان يرى البدعة نفسها، وهي جواز الخروج بالسيف على أئمة الجور.
وإنما صار بعض السلف ممن يرى جواز الخروج بالسيف على أئمة الجور يُنسبون للخارجية؛ لأن الخوارج هم أول من خرجوا على الولاة بالسيف، وليس المعنى أن من نٌسب بأنه خارجي أنه يرى عقائدهم الباطلة، والخروج بالسيف على أئمة الظلم هو مذهب كثير من السلف وأهل العلم، ولم ينسبهم أهل العلم إلى مذهب الخوارج.
ومن هؤلاء «علي بن الحصين بن مالك التميمي» ممن وفد على عمر بن عبد العزيز، وهو ضعيف لا يُحتج به. قال ابن عيينة: "رأيته يرى رأي الخوارج".
وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "كان يذهب مذهب الشراة".
وقال البخاري في «التاريخ الأوسط» قال عليّ بن المديني: قلت لسفيان، كان قتل؟ قال: "نعم، خرج وخرجوا فذهب من ههنا، فلما كان الموسم غزاهم أهل المدينة فتركوهم مثل الحصيد"، قال: "فقتل عليّ"، قال: "فتسوروا إليه وهو في غرفته فقتلوه".
ثالثاً: قول عداب: "وقد جاء اتّهام عكرمة برأي الخوارج عن كثيرٍ من معاصريه، ومنهم أيوب راوي هذا الحديث عنه، وهذا يقودنا إلى عدم قبول حديثه الذي ينفرد به، حتى نجد له متابعةً أو شاهداً"، قول ليس بصحيح! فلم أجد من معاصريه من اتهمه بالخارجية! فكيف يهوّل (عداب) الأمر ويقول: "عن كثير من معاصريه"!!
وقوله بأن أيوب اتهمه بذلك كذب مفضوح منه! فأين اتهام أيوب له بذلك؟!
وقد سبق أن أيوب سئل عن عكرمة، كيف هو؟ فقال: "لو لم يكن عندي ثقة لم أكتب عنه".
وروى خالد بن خراش قال: قال رجل لأيوب، أكان عكرمة يُتهم؟ قال: "أما أنا فلم أتهمه، ولكن أردت أن أخرج إليه حتى قدم علينا".
وسيأتي الكلام على شواهد الحديث إن شاء الله لدحض كلام المفتري الكذاب (عداب)!
رابعاً: دعوى (عداب) أن هذا الحديث مما ينصر بدعة عكرمة دعوى لا دليل عليها! فالحديث يتكلم عن حكم من يرتد عن الإسلام وأنه يُقتل، ولا علاقة لهذا برأي من يرى جواز الخروج على أئمة الجور الذي كان يراه عكرمة. والخروج لا يعني الردة!
ومشكلة (عداب) في تنزيل النصوص لهوى في نفسه! فهو قد أسقط هذا الحديث على الخوارج الذين كانوا يُكفّرون المسلمين ويستحلون دماءهم! وحاشا عكرمة من هذا المذهب الخبيث!!
ثم إن هذا الحديث له شاهد صحيح رواه البخاري ومسلم من حديث عبداللَّهِ بن مسعود قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا الله وَأَنِّي رسول اللَّهِ إلا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، والمفارق لدينه التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ».