تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: فكان ينبغي لعداب لو كان حسن النية أن يبين ما رُمي به عكرمة من تهم ويأتي بأقوال أهل العلم في ذلك، لا أن يُشكك فيه ويمضي حتى يصوّر للقارئ أنه متّهم! والصحيح أنه من كبار الثقات.

ثانياً: علّل عداب رواية عكرمة بعلتين: الأولى: أن هذه الرواية تؤيد بدعة راويها الخارجي (عكرمة)! والثانية: انقطاع الرواية لأن عكرمة لم يسمع من عليّ.

أما فيما يتعلق بالعلة الأولى فهذه من اختراع (عداب)! فهو بناها على أنه خارجي وأنه كان داعية لبدعته! وأسقط كلام ابن حبان عليه!

قال ابن حجر في مقدمة الفتح وهو يُفصّل مذاهب أهل العلم في قبول رواية المبتدع: "فقيل: يقبل مطلقاً، وقيل: يرد مطلقاً، والثالث: التفصيل بين أن يكون داعية لبدعته أو غير داعية، فيقبل غير الداعية ويرد حديث الداعية، وهذا المذهب هو الأعدل، وصارت إليه طوائف من الأئمة، وادّعى ابن حبان إجماع أهل النقل عليه، لكن في دعوى ذلك نظر".

قلت: فهذا ابن حجر لم يوافق ابن حبان في دعوى الإجماع هذه! وقد احتج البخاري بعمران بن حطان وهو من الدعاة الخوارج، واحتج البخاري ومسلم بعبدالحميد بن عبدالرحمن الحماني وكان داعية إلى الإرجاء.

فدعوى ابن حبان فيها نظر وهي فيمن كان داعية لبدعته، وعكرمة مختلف في نسبته لبدعة الخوارج ولم يقل أحد أنه كان داعية لبدعته! فكيف يسقط (عداب) قول ابن حبان عليه وهي لا تنطبق عليه!

قال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (7/ 154) بعد أن ذكر قولاً لابن معين في حديث أهل البدع: "قلت: هذه مسألة كبيرة، وهي القدري والمعتزلي والجهمي والرافضي إذا علم صدقه في الحديث وتقواه ولم يكن داعياً إلى بدعته، فالذي عليه أكثر العلماء قبول روايته والعمل بحديثه، وترددوا في الداعية: هل يؤخذ عنه؟ فذَهبَ كَثِيْرٌ مِنَ الحُفَّاظِ إِلَى تَجَنُّبِ حَدِيْثِهِ، وَهُجْرَانِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُم: إِذَا عَلِمْنَا صِدْقَهُ، وَكَانَ دَاعِيَةً، وَوَجَدْنَا عِنْدَهُ سُنَّةً تَفَرَّدَ بِهَا فَكَيْفَ يَسُوغُ لَنَا تَرْكُ تِلْكَ السُّنَّةِ? فَجَمِيْعُ تَصَرُّفَاتِ أَئِمَّةِ الحَدِيْثِ تُؤْذِنُ بِأَنَّ المُبتَدِعَ إِذَا لَمْ تُبِحْ بِدعَتُه خُرُوْجَه مِنْ دَائِرَةِ الإِسْلاَمِ، وَلَمْ تُبِحْ دَمَهُ, فَإِنَّ قَبُولَ مَا رَوَاهُ سَائِغٌ. وهذِهِ المَسْأَلَةُ لَمْ تَتَبَرْهنْ لِي كَمَا يَنْبَغِي، وَالَّذِي اتَّضَحَ لِي مِنْهَا: أَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي بِدعَةٍ، وَلَمْ يُعَدَّ مِنْ رُؤُوْسِهَا، وَلاَ أَمْعَنَ فِيْهَا, يُقْبَلُ حَدِيْثُه, كَمَا مَثَّلَ الحَافِظُ أَبُو زَكَرِيَّا بِأُوْلَئِكَ المَذْكُوْرِيْنَ، وَحَدِيْثُهُم فِي كُتُبِ الإسلام لصدقهم وحفظهم".

وقال المعلمي اليماني في تنكيله: "وقد مر تحقيق علة رد الداعية، وتلك العلة ملازمة أن يكون بحيث يحق أن لا يؤمن منه ما ينافي في العدالة، فهذه العلة إن وردت في كل مبتدع روى ما يقوي بدعته ولو لم يكن داعية وجب أن لا يحتج بشيء من مرويات من كان كذلك ولو فيما يوهن بدعته، وإلاّ - وهو الصواب - فلا يصح إطلاق الحكم بل يدور مع العلة، فذاك المروي المقوي لبدعة راويه إما غير منكر فلا وجه لرده فضلاً عن رد راويه، وإما منكر، فحكم المنكر معروف، وهو أنه ضعيف، فأما راويه فإن اتجه الحمل عليه بما ينافي العدالة كرميه بتعمد الكذب أو اتهامه به سقط ألبتة، وإن اتجه الحمل على غير ذلك كالتدليس المغتفر والوهم والخطأ لم يجرح بذلك، وإن تردد الناظر وقد ثبتت العدالة وجب القبول، وإلا أخذ بقول من هو أعرف منه أو وقف، وقد مر أوائل القاعدة الثانية بيان ما يمكن أن يبلغه أهل العصر من التأهل للنظر فلا تغفل. وبما تقدم يتبين صحة إطلاق الأئمة قبول غير الداعية إذا ثبت صلاحه وصدقه وأمانته، ويتبين أنهم إنما نصوا على رد المبتدع الداعية تنبيهاً على أنه لا يثبت له الشرط الشرعي للقبول وهو ثبوت العدالة".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٣٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٣٦٥