تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال يحيى بن معين: "كان مالك يكره عكرمة"، قيل: فقد روى عن رجل عنه؟ قال: "شيء يسير".

وقال ابن المديني: "لم يسم مالك عكرمة في شيء من كتبه إلا في حديث ثور عن عكرمة عن ابن عباس في الذي يصيب أهله وهو محرم، قال: يصوم ويهدي. وكأنه ذهب إلى أنه يرى رأي الخوارج، وكان يقول في كتبه: رجل".

قال ابن حجر في مقدمة الفتح: "وأما ذم مالك فقد بين سببه وأنه لأجل ما رُمي به من القول ببدعة الخوارج، وقد جزم بذلك أبو حاتم. قال ابن أبي حاتم: (سألت أبي عن عكرمة؟ فقال: ثقة، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: نعم، إذا روى عنه الثقات، والذي أنكر عليه مالك إنما هو بسبب رأيه). على أنه لم يثبت عنه من وجه قاطع أنه كان يرى ذلك، وإنما كان يوافق في بعض المسائل فنسبوه إليهم، وقد برأه أحمد والعجلي من ذلك، فقال في كتاب الثقات له: عكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهما مكي تابعي ثقة بريء مما يرميه الناس به من الحرورية. وقال ابن جرير: لو كان كل من اُدّعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما اُدعي به وسقطت عدالته وبطلت شهادته بذلك للزم ترك أكثر محدثي الأمصار؛ لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه. وأما قبوله لجوائز الأمراء فليس ذلك بمانع من قبول روايته، وهذا الزهري قد كان في ذلك أشهر من عكرمة، ومع ذلك فلم يترك أحد الرواية عنه بسبب ذلك".

قلت: فمن نسبه لمذهب الخوارج فعليه إثبات ذلك! والعجب من الإمام مالك يروي عن داود بن الحصين وهو متهم برأي الخوارج، ويترك الرواية عن عكرمة بسبب اتهامه بهذه البدعة! وكذلك العجب من الإمام مسلم فإنه ترك عكرمة وروى لداود بن الحصين، وكأنه تبع مالكا في ذلك؛ فإنه روى له ما رواه مالك عنه!

وأما أنه كان لا يصلي فهذا من افتراءات (عداب)! فكيف يكون خارجياً - على فرض صحة ذلك- ولا يصلي؟!! أليس الخوارج يعدّون الكبائر كفراً!

فالذي رُوي في هذا أنه لم يكن يحسن الصلاة! لا أنه كان لا يصلي!! فهل يعي (عداب) ماذا يخرج من رأسه؟! وهل صح أنه كان لا يحسن الصلاة؟!

قال ابن أبي خيثمة في «تاريخه»: "ورَأَيْتُ فِي كتاب عَلِيّ بن المَدِيْنِيّ: سمعت يَحْيَى بن سعيد يقول: حدثوني والله عن أيوب أنه ذُكِرَ له أن عِكْرِمَة لا يحسن الصَّلاة، قالَ أيوب: وكان يصلي".

قلت: هذا إسناد لا يُحتج به؛ لأننا لا نعرف من هؤلاء الذين حدثوا بذلك عن أيوب .. ولو صح ذلك فإن هذا قد يحمل على أمر معين في مخالفته لبعضهم في بعض المسائل المتعلقة بالصلاة.

قال يَحْيَى بنُ مَعِيْن: حدثنا مُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَان، عَنْ أَبِي عُبَيْدَة، عَنْ عِمَارَة بنِ حَيَّان: "أَنَّ عِكْرِمَة كَانَ لا يُصَلِّي خَلْفَ مَن لا يَجْهَرْ".

فهذا فيه نقض لافتراء (عداب) بأنه كان لا يصلي!

ثم إن أيوب ممن لازمه وسمع منه فكيف يكون لا يحسن صلاته ويسمع منه!

قال حَمَّاد بنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، قالَ: "أَرَدْتُ أَنْ أَرْحَلَ إِلَى عِكْرِمَة إِلَى أُفُقٍ مِنَ الآفَاقِ فإنِّي لَفِي سُوقٍ بِالْبَصْرَةِ إِذَا رَجُلٌ عَلَى حمارٍ فَقِيلَ لِي: عِكْرِمَة، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَمَا قَدَرْتُ عَلَى شيءٍ أَسْأَلُهُ عَنْهُ ذَهَبَتِ الْمَسَائِلُ مِنِّي، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِ حِمَارِهِ وَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ وَأَنَا أَحْفَظُ".

ومسألة أنه لا يحسن يصلي قد اتهم بها من هو خير من عكرمة. ففي الصحيح من حديث جَابِرِ بن سَمُرَةَ قال: «شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إلى عُمَرَ رضي الله عنه فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عليهم عَمَّارًا، فَشَكَوْا حتى ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي فَأَرْسَلَ إليه، فقال: يا أَبَا إِسْحَاقَ، إِنَّ هؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي! قال أبو إِسْحَاقَ: أَمَّا أنا والله فَإِنِّي كنت أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ما أَخْرِمُ عنها أُصَلِّي صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَأَرْكُدُ في الْأُولَيَيْنِ وَأُخِفُّ في الْأُخْرَيَيْنِ. قال: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يا أَبَا إِسْحَاقَ».

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٣٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٣٦٤