تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال علي بن المديني: حُكي عن يعقوب الحضرمي عن جدّه قال: "وقف عكرمة على باب المسجد، فقال: ما فيه إلا كافر"!!

وقال مصعب بن عبدالله الزبيري: "كان عكرمة يرى رأي الخوارج، وادّعى على عبدالله بن عباس أنه كان يرى رأي الخوارج".

قال الذهبي معقباً على قول مصعب: "هذه حكاية بلا إسناد".

قلت: فكأن ما ذكره بعض أهل العلم عن عكرمة أنه من الخوارج تتابعوا عليه دون الإتيان بأيّ دليل عليه! فكل ما يذكرونه: "يُقال .. حُكي .. يزعمون"!!!

قال العجلي: "عكرمة مولى ابن عباس: ثقة، وهو بريء مما يرميه الناس به من الحرورية".

وقال ابن يونس إمام أهل مصر: "وبالمغرب إلى وقتنا هذا قوم على مذهب الإباضية يعرفون بالصفرية يزعمون أنهم أخذوا مذهبهم عن عكرمة مولى ابن عباس".

قلت: وكأن عكرمة كان يرى الخروج على الظلمة وأئمة الجور بالسيف، فنُسب إلى مذهب الخوارج، وليس كل من رأى هذا يُنسب إليهم، فقد خرج على أئمة الجور جلّة من السلف وما نعتهم أحد بأنهم من الخوارج الحرورية والصفرية! فكيف بمن رأى هذا الرأي ولم يفعله؟!

وكثرة القيل والزعم في أمر عكرمة مرة بنسبته "إباضياً" ومرة بأنه "صفرياً" وأخرى بأنه "بيهسياً" ومرة بأنه "حرورياً"! - وإن كانت هذه كلها تدخل تحت مسمى الخوارج- فهذا يدل على أن هذا لا يصح! فهؤلاء لهم عقائدهم الخاصة وعكرمة بعيد كل البعد عن ذلك.

وكأن من نسبه لمذهب الخوارج احتج بما رواه خلاد بن سليمان الحضرمي المصري، عن خالد بن أبي عمران قاضي أفريقية وعالمهم، قال: "دخل علينا عكرمة مولى ابن عباس بأفريقية في وقت الموسم، فقال: وددت أني اليوم بالموسم بيدي حربة أضرب بها يميناً وشمالاً"، وفي رواية: "فأعترض بها من شهد الموسم". قال خالد: "فمن يومئذ رفض به أهل أفريقية".

قلت: فهذه الحكاية فيها إشارة إلى أنه كان يرى جواز الخروج بالسيف على الظلمة، والموسم هو "الحج" ويقصد بذلك الأمير ومن معه، فإن الولاة هم من كانوا يحجّون بالناس وحاشيتهم معهم، وليس قصده أن يضرب الناس ويقتلهم ... ويؤيده رواية "فأعترض بها من شهد الموسم" - أي من هؤلاء الظلمة، وعكرمة من أهل العلم الثقات لا يُظنّ به أنه يُكفِّر المسلمين ويدعو لقتالهم! ولم يُنقل عنه أي شيء في هذا من تلاميذه وأصحابه. ولم يُنقل أنه خرج مع الخوارج أو أنهم جاؤوا إليه وجلس معهم!

ويؤيده ما ذكرنا أنه ربما كان يرى جواز الخروج على الظلمة ما قاله مصعب بن عبدالله بن مصعب بن ثابت الزبيري: "كان عكرمة يرى رأي الخوارج، فطلبه بعض ولاة المدينة فتغيَّب عند داود بن الحصين حتى مات عنده". وكان دَاوُد بن الحصين المدني فَصِيحًا عَالِمًا وَيُتَّهَمُ بِرَأْيِ الخَوَارِجِ، وروى عنه مالك. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: "لولا أَنَّ مَالِكًا رَوَى عَنْهُ لَتُرِكَ حَدِيثُهُ".

والذي كان على المَدِينَةِ ومَكَّةَ وَالطَّائِفِ في سنة (105 هـ) (عَبْدُالوَاحِدِ النَّضْرِيُّ) ولاه يزيد بن عبدالملك المدينة من سنة (104 هـ)، فلما تولى هشام بن عبدالملك عزل عبدالواحد النضري عن مكة والمدينة والطائف سنة (106 هـ)، وولى ذلك خاله إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي.

ثم وجدت كلاماً نفيساً لذهبي هذا العصر المعلمي اليماني يُبيّن فيه قول أهل النقد في بعض الرواة: "كان من الخوارج"، قال - رحمه الله-: "المحدّثون قد يطلقون «الخوارج» على مطلق الخارجين على السلطان وإن كانوا بريئين عن سائر أقوال الخوارج .. وقد يغفل بعض الأئمة عن هذا؛ فيقول في أحد هؤلاء إنه من الحرورية؛ يبنيه على ما فهمه من قول غيره: «من الخوارج» ".

وما رُوي من ذمّ مالك وغيره له بسبب ما نُسب إليه من هذا الرأي.

قال معن وغيره: "كان مالك لا يرى عكرمة ثقة، ويأمر أن لا يؤخذ عنه".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٣٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٣٦٣