وقال أبو عبدالله محمد بن نصر المروزي: (قد أجمع عامة أهل العلم بالحديث على الاحتجاج بحديث عكرمة واتفق على ذلك رؤساء أهل العلم بالحديث من أهل عصرنا منهم: أحمد بن حنبل وابن راهويه ويحيى بن معين وأبو ثور، ولقد سألت إسحاق بن راهويه عن الاحتجاج بحديثه؟ فقال: عكرمة عندنا إمام الدنيا، تعجب من سؤالي إياه! وحدثنا غير واحد أنهم شهدوا يحيى بن معين وسأله بعض الناس عن الاحتجاج بعكرمة فأظهر التعجب!
وعكرمة قد ثبتت عدالته بصحبة ابن عباس وملازمته إياه، وبأن غير واحد من العلماء قد رووا عنه وعدلوه. وكلّ رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد حتى يبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه).
وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري وأبو عبدالله الحاكم وأبو عمر بن عبدالبر فيه نحوا مما تقدم عن محمد بن نصر، وبسط أبو جعفر الطبري القول في ذلك ببراهينه وحججه في ورقتين، وقد لخصت ذلك وزدت عليه كثيراً في ترجمته من مقدمة شرح البخاري، وسبق إلى ذلك أيضاً المنذري في جزء مفرد، وأما ما تقدم من أنهم لم يشهدوا جنازته فلعل ذلك إن ثبت كان بسبب تطلب الأمير له وتغيبه عنه حتى مات كما تقدم، والذي نقل أنهم شهدوا جنازة كثير وتركوا عكرمة لم يثبت؛ لأن ناقله لم يُسم".
وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (5/ 34): "خرّج له مسلم مقروناً بطاووس في الحج، فالذين أهدروه كبار، والذين احتجوا به كبار، والله أعلم بالصواب".
قلت: أهدروه يعني أنهم لم يرووا له وليس لأنه متهم في دينه! ومسلم لم يرو له في الأصول لتشدده في مسألة البدعة بخلاف الإمام البخاري.
وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (5/ 116): "عكرمة مولى ابن عباس: أحد أوعية العلم، تُكلِّم فيه لرأيه لا لحفظه، فاتهم برأي الخوارج، وقد وثقه جماعة واعتمده البخاري، وأما مسلم فتجنبه، وروى له قليلاً مقروناً بغيره، وأعرض عنه مالك وتحايده إلا في حديث أو حديثين".
ومن تكلّم في عكرمة إنما تكلّم بسبب أنه يروي بعض الأشياء في التفسير عن ابن عباس وغيره يخالفه، وهي قليلة، وتُحمل على أن ابن عباس كان يقول هذا وهذا، فلا يُكذّب عكرمة في ذلك.
قال أيوب: "اجتمع حفاظ ابن عباس فيهم: سعيد بن جبير وعطاء وطاوس على عكرمة، فأقعدوه فجلعوا يسألونه عن حديث ابن عباس. قال: فكلما حدثهم حديثاً، قال سعيد بن جبير بيده هكذا فعقد ثلاثين، حتى سئل عن الحوت؟ فقال عكرمة: كان يسايرهما في ضحضاح من الماء! فقال سعيد: أشهد على ابن عباس أنه قال: كانا يحملانه في مكتل. فقال أيوب: أراه كان يقول القولين جميعاً".
وأما رميه برأي الخوارج! فهذا مما لم يفهمه عداب!!
قال يحيى بن بكير: "قدم عكرمة مصر ونزل هذه الدار، وخرج إلى المغرب، فالخوارج الذين بالمغرب عنه أخذوا".
وقال عليّ بن المديني: "كان عكرمة يرى رأي نجدة الحروري". وهذا إنما نقله ابن لهيعة!
وقال أحمد بن زهير: سمعت يحيى بن معين يقول: "إنما لم يذكر مالك عكرمة - يعني في الموطأ - قال: لأن عكرمة كان ينتحل رأي الصفَّرية".
وروى عمر بن قيس المكي عن عطاء بن أبي رباح قال: "كان عكرمة إباضياً". وعمر بن قيس متروك منكر الحديث.
وعن أبي مريم قال: "كان عكرمة بيهسياً". [البيهسية طائفة من الخوارج، يُنسبون إلى أبي بيهَس، وهو رأس فرقة من طوائف الخوارج من الصفرية، وهو موافق لهم في وجوب الخروج على أئمة الجور، وكلّ من لا يعتقد معتقدهم عندهم كافر، لكن خالفهم بأنه يقول أن صاحب الكبيرة لا يكفر إلا إذا رفع إلى الإمام فأقيم عليه الحد فإنه حينئذ يحكم بكفره].
وقال إبراهيم الجوزجاني: سألت أحمد بن حنبل عن عكرمة، أكان يرى رأي الإباضية؟ فقال: "يُقال إنه كان صفرياً"، قلت: أتى البربر؟ قال: "نعم، وأتى خراسان يطوف على الأمراء يأخذ منهم".