تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أولاً: حاول (العداب) غمز عكرمة بقوله: "فمنهم من رفعه إلى مصافّ الثقات الكبار، ومنهم من كذّبه، واتّهمه حتى بدينه بل إنّ بعض معاصريه اتّهمه بأنه لا يصلّي! ونحن لن نخوض في شيءٍ من ذلك".

قلت: هذا أسلوب خبيث للطعن في حملة السنة! وهو التشكيك فيه دون بيان آراء أهل النقد! فمن يقرأ كلامه هذا ممن لا يعرف حال عكرمه يشك في أمره ويصدّق النتيجة التي سيقولها (عداب)!!

وأما اتهامه بالكذب أو بدينه فلم يصح، وأما أنه لا يصلي فهذا كذب وافتراء من عداب! ولو كان عند (عداب) ذرة حياء لما تكلم بهذا الأسلوب الخبيث! ولو كان ما افتراه على عكرمة فيه شمة من الصحة لذكره! ولكن هيهات هيهات من إثبات ما افتراه هذا الكذاب!

أما ما يتعلق باتهامه بالكذب فلا يصحّ؛ لأنه من رواية الضعفاء!

قال ابن حبان في كتاب «الثقات» (5/ 230): "وكان جابر بن زيد يقول: عكرمة من أعلم الناس ومن زعم أنا كنا نتقي حديث عكرمة فلم ينصف، إذ لم نتقي الرواية عن إبراهيم بن أبي يحيى وذويه. ولا يجب على من شم رائحة العلم أن يعرج على قول يزيد بن أبي زياد حيث يقول: دخلت على عليّ بن عبدالله بن عباس وعكرمة مقيد على باب الحش! قلت: من هذا؟ قال: إن هذا يكذب على أبي! ومن أمحل المحال أن يجرح العدل بكلام المجروح؛ لأن يزيد بن أبي زياد ليس ممن يحتج بنقل حديثه، ولا بشيء يقوله أيوب بن رزين عن نافع قال: سمعت ابن عمر يقول: يا نافع، لا تكذب عليّ كما يكذب عكرمة على ابن عباس! قلت: أما عكرمة فحمل أهل العلم عنه الحديث والفقه في الأقاليم كلها، وما أعلم أحداً ذمّه بشيء إلا بدعابة كانت فيه".

وقال أبو خلف عبدالله بن عيسى الخراز عن يحيى البكاء: سمعت ابن عمر يقول لنافع: "اتق الله، ويحك لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس. كما أحل الصرف وأسلم ابنه صيرفيا".

قال الذهبي معقباً على هذه الحكاية: "البكّاء واهٍ". وقال أحمد: "يحيى البكاء غير ثقة".

وقال ابن حجر في «مقدمة فتح الباري»: "وقال ابن جرير: إن ثبت هذا عن ابن عمر فهو محتمل لأوجه كثيرة لا يتعين منه القدح في جميع روايته، فقد يمكن أن يكون أنكر عليه مسألة من المسائل كذبه فيها. قلت: وهو احتمال صحيح؛ لأنه روى عن ابن عمر أنه أنكر عليه الرواية عن ابن عباس في الصرف، ثم استدل ابن جرير على أن ذلك لا يوجب قدحاً فيه بما رواه الثقات عن سالم بن عبدالله بن عمر أنه قال: إذ قيل له إن نافعاً مولى ابن عمر حدث عن ابن عمر في مسألة الإتيان في المحل المكروه: كذب العبد على أبي! قال ابن جرير: ولم يروا ذلك من قول سالم في نافع جرحاً، فينبغي أن لا يروا ذلك من ابن عمر في عكرمة جرحاً.

وقال ابن حبان: أهل الحجاز يطلقون [كذب] في موضع [أخطأ]، ذكر هذا في ترجمة برد من كتاب الثقات، ويؤيد ذلك إطلاق عبادة بن الصامت قوله [كذب أبو محمد] لما أخبر أنه يقول: (الوتر واجب)، فإن أبا محمد لم يقله رواية، وإنما قاله اجتهاداً، والمجتهد لا يُقال إنه كذب إنما يقال: إنه أخطأ. وذكر ابن عبد البر لذلك أمثلة كثيرة. وأما قول سعيد بن المسيب فقال ابن جرير: ليس ببعيد أن يكون الذي حكي عنه نظير الذي حكي عن ابن عمر. قلت: وهو كما قال، فقد تبين ذلك من حكاية عطاء الخرساني عنه في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بميمونة، ولقد ظُلم عكرمة في ذلك فإن هذا مروي عن ابن عباس من طرق كثيرة أنه كان يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو محرم. ونظير ذلك ما تقدم عن عطاء وسعيد بن جبير ويقوي صحة ما حكاه ابن حبان أنهم يطلقون الكذب في موضع الخطأ ما سيأتي عن هؤلاء من الثناء عليه، والتعظيم له، فإنه دال على أن طعنهم عليه إنما هو في هذه المواضع المخصوصة، وكذلك قول ابن سيرين: الظاهر أنه طعن عليه من حيث الرأي، وإلا فقد قال خالد الحذاء: كلّ ما قال محمد بن سيرين: نُبئت عن ابن عباس، فإنما أخذه عن عكرمة، وكان لا يسميه؛ لأنه لم يكن يرضاه".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٣٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٣٦٠