قلت: ما رواه الصولي عن الحاجب متفق مع ما رواه المدائني في الأمان الذي كتبه ورغبة المنصور في قتله وقتله على يد سفيان بن معاوية، واختلفا في كيفية مقتله، والأول أقوى إسناداً وواقعاً، والله أعلم.
وحَكَى البَلاذْرِيُّ أَنَّ سُفْيَانَ أَلْقَاهُ فِي بِئْرٍ.
وَقِيلَ: أَدْخَلَهُ حَمَّامًا وَأَغْلَقَهُ عَلَيْهِ. [تاريخ الإسلام للذهبي].
34 - ثم قال الكذّاب المالكي: "والصحابي الحكم بن عمرو الغفاري ... قتله زياد، لأنه رفض أن يقدم كتاب معاوية على كتاب الله! في اصطفاء الذهب والفضة لمعاوية في الفتوح! "
قلت: هذا كذب! فزياد لم يقتله، والصحيح أنه مات بعد أن دعا الله بأن يقبضه. وسأورد القصة التي اعتمدها هذا الأفاك ثم الكلام عليها.
روى الحاكم في «المستدرك» (3/ 501) عن مُعَاوِيَة بن عَمْرٍو، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الفَزَارِيِّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الحَسَنِ، قالَ: بَعَثَ زِيَادٌ الحَكَمَ بنَ عَمْرٍو الغِفَارِيَّ عَلَى خُرَاسَانَ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَا بَعْدُ، فَإِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ كَتَبَ أَنْ يَصْطَفِيَ لَهُ الْبَيْضَاءَ، وَالصَّفْرَاءَ، وَلَا تَقْسِمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَكَمُ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ كَتَبْتَ تَذْكُرُ كِتَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنِّي وَجَدْتُ كِتَابَ اللَّهِ قَبْلَ كِتَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنِّي أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَوْ كَانَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ رَتْقًا عَلَى عَبْدٍ فَاتَّقَى اللَّهَ لَجَعَلَ لَهُ مِنْ بَيْنَهُمْ مَخْرَجًا، وَالسَّلَامُ»، أَمَرَ الْحَكَمُ مُنَادِيًا فَنَادَى أَنِ اغْدُوا عَلَى فَيْئِكُمْ فَقَسَمَهُ بَيْنَهُمْ. وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا فَعَلَ الحَكَمُ فِي قِسْمَةِ الفَيْءِ مَا فَعَلَ وَجَّهَ إِلَيْهِ مَنْ قَيَّدَهُ وَحَبَسَهُ، فَمَاتَ فِي قُيُودِهِ وَدُفِنَ فِيهَا، وقالَ: «إِنِّي مُخَاصِمٌ».
قلت: على فرض صحة هذه الرواية فليس فيها أنه قتله وإنما قيّده وحبسه فمات في قيوده ..
لكن رُويت هذه القصة عن الحسن وليس فيها هذا.
رواها الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (3/ 25) عن سُلَيْمَان بنُ حَرْبٍ، قالَ: حدثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «غَنِمَ الْحَكَمُ بنُ عَمْرٍو بِخُرَاسَانَ غَنَائِمَ فِيهَا ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، فَكَتَبَ زِيَادٌ - أَوِ ابنُ زِيَادٍ - أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَتَبَ أَنِ اسْتَصْفِي كُلَّ صَفْرَاءَ بَيْضَاءَ. قال: فقال الحكم: لو أن السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا عَلَى رَجُلٍ فَاتَّقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، لَجَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ من ذلك مخرجاً.
قال: فدعا القوم فقسم بَيْنَهُمْ غَنَائِمُهُمْ».
قَالَ الحَسَنُ: "فَمَاتَ الحَكَمُ فِي الطريق ولم يلتق معه".
قلت: فهذا الحسن راوي القصة يُصرّح أنه مات في الطريق ولم يمت في حبسه! فدلّ على أن ما جاء في رواية الفزاري عن هشام عن الحسن شاذ.
وقد روى الحاكم في «المستدرك» (3/ 500) من طريق عبدان بن محمد الحافظ، قال: سمعت أحمد بن شيبان يقول: "الحكم بن عمرو ورافع بن عمرو وعلية بن عمرو صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن زياداً ولى الحكم على خراسان، وكان سبب وفاته أنه دعا على نفسه وهو بمرو في كتاب قرئ عليه ورد عليه من زياد وآخر من معاوية فاستجيبت دعوته، ومات بمرو".
وهذا هو المشهور عن المؤرخين وأصحاب السّير.
فقد ذكر الطبري في حوادث سنة سبع وأربعين من «تاريخه» (5/ 229): "وقالَ بعض أهل السير: وفي هذِهِ السنة وجه زياد الحكم بن عَمْرو الغِفَارِيّ إِلَى خُرَاسَان أميرا، فغزا جبال الغور وفراونده، فقهرهم بالسيف عنوة ففتحها، وأصاب فِيهَا مغانم كثيرة وسبايا، وسأذكر من خالف هذَا القول بعد إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى.