قلت: هذه الرواية تبيّن شذوذ ما نُقل في رواية رواها ابن أبي شيبة في «مصنفه» (7/ 472) بإسناد صحيح عن أَيُّوبَ، عَنِ ابن أبي مُلَيْكَةَ قال: «أَتَيْت أَسْمَاءَ بَعْدَ قَتْلِ عبداللهِ بن الزُّبَيْرِ، فقالت: بَلَغَنِي أنهم صَلَبُوا عَبْدَاللهِ مُنَكَّسًا وعَلَّقُوا معه هِرَّةً، وَاللهِ إنِّي لَوَدِدْت أَنِّي لا أَمُوت حتى يُدْفَعَ إلَيَّ فَأُغَسِّلَهُ وَأُحَنِّطَهُ وَأُكَفِّنَهُ ثُمَّ أَدْفِنَهُ، فما لَبِثُوا أَنْ جاء كِتَابُ عبدالمَلِكِ أَنْ يُدْفَعَ إلَى أَهْلِهِ فَأَتَيْت بِهِ أَسْمَاءَ فَغَسَّلَتْهُ وَحَنَّطَتْهُ وَكَفَّنَتْهُ ثُمَّ دَفَنَتْهُ».
فهذه الرواية فيها أنه صلب مُنكساً وعلقوا معه "هرة" لا "كلب"! كما ادّعى المالكي الكذاب! على أن ما جاء من ذلك شاذ مخالف لما هو مشهور بخلاف ذلك، ولعل قول أسماء "بلغني" يبيّن عدم صحة ذلك، والله أعلم.
33 - ثم قال الكذّاب المالكي: "وعبد الله بن المقفع ... الأديب المشهور، لموقف سياسي قطّعوه، وكانوا يلقون قطع لحمه في النار، وهو ينظر! ثم قالوا: قتلناه للزندقة! وصدقهم الحمقى! "
قلت: المالكي الكذاب كعادته يختار ما يدعم رأيه مما يجده في الكتب! ففي مقتل ابن المقفع روايات ما ذكره إحداها، فلم يختار هذه ويغض الطرف عن غيرها؟!!
وإن كان ابن المُقَفَّعِ يُتَّهَمُ بِالزَّنْدَقَةِ فليس هذا هو سبب مقتله.
وقد رُوي عنِ المَهْدِيِّ قالَ: "مَا وَجَدْتُ كِتَابَ زَنْدَقَةٍ إِلا وَأَصْلُهُ ابنُ المُقَفَّعِ".
وقصة مقتله ذكرها ابن الجوزي في «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» (8/ 56).
روى أَبُو بكر الصولي: أن الربيع الحاجب قالَ: «لما قرأ المنصور الأمان الَذِي كتبه ابن المقفع قالَ: من كتب هذَا؟ فقيل: رجل يقال لَهُ عَبْداللَّه بن المقفع، يكتب لعمّيك سليمان وعيسى ابْني علي بالبصرة، فكتب إِلَى عامله بالبصرة: لا يفلتنك ابن المقفع حَتَّى تقتله. فاستأذن يوماً عليه مَعَ وجوه أَهْل البصرة، فأخر سفيان إذنه وأذن لمن كَانَ معه قبله، ثُمَّ أذن لَهُ، فلما صار فِي الدهليز عدل به إِلَى حجرة، فقتل فيها، وخرج القوم فرأوا غلمانه فسألوهم عنه، فقيل: دخل بعدكم، فخاصم سليمان وعيسى ابْنا عَلِيّ سفيان بن معاوية المهلبي وأشخصاه إِلَى المنصور، وقامت البينة العادلة بأن ابن المقفع دخل دار سفيان سليماً ولم يخرج منها. فقَالَ المنصور: أنا أنظر فِي هذَا، وأقيده به. ووعدهم الغد، فجاء سفيان ليلا فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اتق اللَّه فِي صنيعك ومتبع أمرك أن تجري قتله علي. قَالَ: لا ترع واحضر. فحضر وقامت البينة. فَقَالَ المنصور: أرأيتم إن قتلت سفيان بن معاوية بابن المقفع، ثُمَّ خرج ابن المقفع عليكم من هَذَا الباب- وأومأ إِلَى باب خلفه- من ينصب لي نفسه حَتَّى أقتله مكان سفيان؟
فرجعوا كلهم عَنِ الشهادة واندفع الأمر».
وروى أَبُو الحسن المدائني: «أن ابن المقفع كَانَ يعبث بسفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب بالحيرة، ويضحك منه، فغضب سفيان يوماً وافترى عليه، فَقَالَ لَهُ ابن المقفع: يا ابن المغتلمة، والله مَا اكتفت أمك برجال العراق حَتَّى نكحها رجال أَهْل الشام؟ وكانت أم سُفْيَان: ميسون بْنت المغيرة بن المهلب. فاضطغن عليه سفيان، فقدم سليمان بن عَلِيّ، وعيسى بن عَلِيّ ليكتبوا لعَبْداللَّه بن عَلِيّ أمانا. وَكَانَ ابن المقفع يكتب لعيسى بن عَلِيّ، وَكَانَ يتنوق فِي الشرط، فكتب فيما اشترط: إن قتله أمير المؤمنين فلا بيعة لَهُ. فَقَالَ المنصور: من يتوثق لهم؟ قالوا: ابن المقفع. قالَ: فما أحد يكفيني ابن المقفع. فكتب أَبُو الخصيب إِلَى سفيان بن معاوية يحكي لَهُ هَذَا الكلام عَنْ أمير المؤمنين، فاعتزم على قتله إن أمكنه ذلك فاستدعاه فقال: أتذكر ما كنت تقول؟ قَالَ: أنشدك اللَّه أيها الأمير. فَقَالَ: أمي مغتلمة كما قلت إن لم أقتلك قتلة لم يقتل بها أحد. فأمر بتنور فسجر حَتَّى إذا حمي أمر أن تقطع أعضاؤه، فكلما قطعوا عضوا قَالَ: ألقوه فِي النار. فيلقونه وَهُوَ ينظر إِلَيْهِ، حَتَّى أتى على جميع جسده، ثُمَّ أطبق التنور وَقَالَ: ليس علي فِي المثلة بك حرج، لأنك زنديق قد أفسدت الناس، واختفى أثره، فَقَالَ عيسى لغلامه: قل لسفيان: إن لم تكن قتلته فخله، وإن كنت قتلته فو الله لأطالبْنك بدية. قَالَ سفيان: مَا أدري أين هو. فمضى عيسى إِلَى المنصور وَقَالَ: قتله سُفْيَان فجيء بسفيان مقيدا، وجعل عيسى يطلب الشهود ويخاطب المنصور، ودخل الشهود فشهدوا، فَقَالَ لهم المنصور: قَدْ شهدتم، فإن أتيتكم بابن المقفع حَتَّى يخاطبكم، مَا تروني صانعا بكم؟ فقام الشهود، وضرب عيسى بن عَلِيّ عَنْ ذلك الحديث».