32 - ثم قال الكذّاب المالكي: "وعبد الله بن الزبير ... صلبه الحجاج مع جثة كلب منكسا! وهو صحابي .. وعابد .. ".
قلت: لا نُنكر مقتل عبدالله بن الزبير رضي الله عنه على يد السفّاح الحجاج وصلبه، لكن صلبه مع جثة كلب!! فهذا كذب!
وكان رحمه الله عمره تسع سنوات لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان سمع منه بعض الأحاديث وهو صغير فحفظها، فهو يعدّ في صغار الصحابة، وكان عابداً صواماً قوّاماً.
وكان "قد بايع لمعاوية، وامتنع من مبايعة يزيد فتحوّل إلى مكة وعاذ بالحرم، فأرسل إليه يزيد سليمان أن يبايع له فأبى، ولقب نفسه عائذ الله، فلما كانت وقعة الحرة وفتك أهل الشام بأهل المدينة، ثم تحولوا إلى مكة فقاتلوا ابن الزبير واحترقت الكعبة أيام ذلك الحصار ففجعهم الخبر بموت يزيد بن معاوية، فتوادعوا ورجع أهل الشام، وبايع الناس عبدالله بن الزبير بالخلافة، وأرسل إلى أهل الأمصار يبايعهم إلا بعض أهل الشام، فسار مروان فغلب على بقية الشام، ثم على مصر، ثم مات، فقام عبدالملك بن مروان فغلب على العراق، وقتل مصعب بن الزبير، ثم جهز الحجاج إلى ابن الزبير فقاتله إلى أن قتل ابن الزبير في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين من الهجرة".
وكان الحجاج قد حاصر الكعبة أكثر من ستة أشهر وابن الزبير متحصن فيها، فضُرب في وجهه، فتمثّل ببيت الشعر:
ولَسْنَا عَلَى الْأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا *** وَلَكِنْ عَلَى أقدامنا تقطر الدما
"ثم سقط إلى الأرض فأسرعوا إليه فقتلوه رضي الله عنه، وجاؤوا إِلَى الحَجَّاجِ فَأَخْبَرُوهُ فَخَرَّ سَاجِدًا قَبَّحَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قَامَ هُوَ وَطَارِقُ بْنُ عَمْرٍو حَتَّى وَقَفَا عَلَيْهِ وَهُوَ صَرِيعٌ ...
ثُمَّ أَمَرَ الحَجَّاجُ بِجُثَّةِ ابنِ الزُّبَيْرِ فَصُلِبَتْ على ثنية الحَجُونِ، - يُقَالُ مُنَكَّسَةً-، فَمَا زَالَتْ مَصْلُوبَةً، حَتَّى مرَّ بِهِ عَبْدُاللَّهِ بنُ عُمَرَ فَقَالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ يَا أَبَا خُبَيْبٍ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتَ صَوَّامًا قَوَّامًا، ثُمَّ قَالَ: أَمَا آنَ لِهَذَا الرَّاكِبِ أَنْ يَنْزِلَ؟ فبعث الحجاج فأنزل عن الجذع وَدُفِنَ هُنَاكَ".
وقد روى الإمام مسلم في «صحيحه» (4/ 1971) قال: حدثنا عُقْبَةُ بن مُكْرَمٍ العَمِّيُّ، قال: حدثنا يَعْقُوبُ - يعني ابن إسحاق الحَضْرَمِيَّ - قال: أخبرنا الأَسْوَدُ بن شَيْبَانَ، عن أبي نَوْفَلٍ، قال: «رأيت عَبْدَاللَّهِ بن الزُّبَيْرِ على عَقَبَةِ المَدِينَةِ. قال: فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ تَمُرُّ عليه وَالنَّاسُ حتى مَرَّ عليه عبداللَّهِ بن عُمَرَ فَوَقَفَ عليه، فقال: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، أَمَا والله لقد كنت أَنْهَاكَ عن هذا، أَمَا والله لقد كنت أَنْهَاكَ عن هذا، أَمَا والله لقد كنت أَنْهَاكَ عن هذا، أَمَا والله إن كُنْتَ ما عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ، أَمَا والله لَأُمَّةٌ أنت أَشَرُّها لَأُمَّةٌ خَيْرٌ، ثُمَّ نَفَذَ عبداللَّهِ بن عُمَرَ فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ مَوْقِفُ عبداللَّهِ وَقَوْلُهُ، فَأَرْسَلَ إليه فَأُنْزِلَ عن جِذْعِهِ فألقى في قُبُورِ الْيَهُودِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إلى أُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ، فَأَبَتْ أَنْ تَأْتِيَهُ، فَأَعَادَ عليها الرَّسُولَ لَتَأْتِيَنِّي أو لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ من يَسْحَبُكِ بِقُرُونِكِ. قال: فَأَبَتْ، وَقَالَتْ: والله لَا آتِيكَ حتى تَبْعَثَ إلي من يسحبنى بِقُرُونِي. قال: فقال: أَرُونِي سِبْتَيَّ، فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ حتى دخل عليها، فقال: كَيْفَ رَأَيْتِنِي صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللَّهِ! قالت: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عليه دُنْيَاهُ، وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ له: يا ابن ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، أنا والله ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ: أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وطَعَامَ أبي بَكْرٍ من الدَّوَابِّ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ التي لَا تَسْتَغْنِي عنه، أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حدثنا أَنَّ في ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا، فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فلا أخالك إلا إِيَّاهُ. قال: فَقَامَ عنها ولم يُرَاجِعْهَا».