قلت: هذا من رواية أبي مخنف الكذاب، وفي إسناده رجل مجهول! وقد خالف الواقدي - وهو متّهم في الحديث وروايته في الأخبار أحسن من أبي مخنف- في كيفية مقتله.
فإنه ذكر: أن سويد بن عَبْدِالعَزِيزِ حدّثه عن ثابت بن عجلان، عَنِ الْقَاسِمِ بنِ عبدالرَّحْمَن: "أن عَمْرو بن العَاصِ خرج فِي أربعة آلاف، فِيهِمْ مُعَاوِيَة بن حديج، وأبو الأعور السلمي، فالتقوا بالمسناة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، حَتَّى قتل كنانه بن بشر بن عتاب التُّجِيبِيّ، ولم يجد مُحَمَّد بن أبي بكر مقاتلاً، فانهزم، فاختبأ عِنْدَ جبلة بن مسروق، فدلّ عَلَيْهِ مُعَاوِيَة بن حديج، فأحاط بِهِ، فخرج مُحَمَّد فقاتل حَتَّى قتل".
قالَ الوَاقِدِيُّ: "وكانت المسناة فِي صفر سنة ثمان وثلاثين".
قلت: وهذا أولى مما رواه أبي مخنف، ويؤيده ما رواه مسلم في «صحيحه» (3/ 1458) من حديث عبدالرحمن بن شِمَاسَةَ قال: «أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عن شَيْءٍ، فقالت: مِمَّنْ أنت؟ فقلت: رَجُلٌ من أَهْلِ مِصْرَ. فقالت: كَيْفَ كان صَاحِبُكُمْ لَكُمْ في غَزَاتِكُمْ هذه - تعني معاوية بن حديج-؟ فقال: ما نَقَمْنَا منه شيئاُ إن كان لَيَمُوتُ لِلرَّجُلِ مِنَّا الْبَعِيرُ فَيُعْطِيهِ البَعِيرَ والعَبْدُ فَيُعْطِيهِ الْعَبْدَ وَيَحْتَاجُ إلى النَّفَقَةِ فَيُعْطِيهِ النَّفَقَةَ. فقالت أَمَا إنه لا يَمْنَعُنِي الذي فَعَلَ في مُحَمَّدِ بن أبي بَكْرٍ أَخِي أَنْ أُخْبِرَكَ ما سمعت من رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول في بَيْتِي هذا: اللهم من وَلِيَ من أَمْرِ أُمَّتِي شيئا فَشَقَّ عليهم فَاشْقُقْ عليه، وَمَنْ وَلِيَ من أَمْرِ أُمَّتِي شيئا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ».
قلت: هذا يدلّ على أن الذي قتله هو معاوية بن حديج، ولم تذكر كيف قتله.
وكان مُحَمَّد بنَ أَبِي بَكْرٍ دخل على عثمان لما حوصِر في الدّار، فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، فقَالَ لَهُ: "قدْ أَخَذْتَ مِنَّا مَأْخَذًا، وَقَعَدْتَ مِنِّي مَقْعَدًا مَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ لِيَقْعُدَهُ أَوْ لِيَأْخُذَهُ قَالَ: فَخَرَجَ وَتَرَكَهُ".
وقد نقم عليه ذلك كثير من أهل العلم.
روى ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (3/ 83) عن عمرو بن عاصم الكلابي، قال: أخبرنا أبو الأشهب، قال: أخبرنا الحسن البصري، قال: "لما أدركوا بالعقوبة - يعني قتلة عثمان بن عفان - قال: أخذ الفاسق ابن أبي بكر - قال أبو الأشهب: وكان الحسن لا يسميه باسمه، إنما كان يسميه الفاسق - قال: فأخذ فجعل في جوف حمار، ثم أحرق عليه".
وروى الطبراني في «المعجم الكبير» (1/ 84) من حديث قُرَّة بن خَالِدٍ، قال: سمعت الحَسَنَ يقول: "أُخِذَ الْفَاسِقُ محمد بن أبي بَكْرٍ في شِعْبٍ من شِعَابِ مِصْرَ فَأُدْخِلَ في جَوْفِ حِمَارٍ فَأُحْرِقَ".
قلت: هذه أسانيد صحيحة عن الحسن البصري، فيحتمل أنه لما فرّ من معاوية بن خديج اختبئ في جوف الحمار الميت فأحرق فيه، والله أعلم.
ولو صح ذلك لما وافقناه عليه ...
30 - ثم قال الكذّاب المالكي: "وابن المكعبر ... عابد قطعه زياد! لرأيه السياسي، وبارك النواصب ذلك! ".
قلت: لم أعرف من هذا!!
31 - ثم قال الكذّاب المالكي: "وفيروز ... عابد محب للإمام علي، عذبه الحجاج حتى مات! لماذا يسكتون؟! لأن بني أمية أحبابهم! ".
قلت: فيروز هذا يُعرف بفيروز حصين، وقول المالكي الرافضي الكذاب يوحي بأنه عُذّب بسبب حبّه لعليّ، وليس في قصته أي ذكر لعليّ رضي الله عنه! وإنما أراد هذا الكذاب التدليس على الناس.
وقد روى قصته مع الحجاج الطبري من طريق أبي مِخنف الشيعي الكذاب، وليس فيه ذكر لحبّه علياً!
وكان فيروز خرج مع عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث. فلما كان يوم الراوية، نادى منادي الحجاج: «من جاء برأس فيروز فله عشرة آلاف». فنادى فيروز: «من جاءني برأس الحجاج فله مائة الف». فأهمت الحجاج نفسه، ولم يأمن ثقاتة. ثم ظفر به الحجاج بعد لما أُسر، ثُمَّ أَمَرَ بِفَيْرُوزَ فَعُذِّبَ، وَكَانَ يَشُدُّ عَلَيْهِ الْقَصَبَ الْفَارِسِيَّ الْمَشْقُوقَ، يُجَرُّ عَلَيْهِ حَتَّى يُجْرَحَ بِهِ، ثُمَّ يُنْضَحُ عَلَيْهِ الْخَلُّ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالْمَوْتِ قَالَ لِصَاحِبِ الْعَذَابِ: إِنَّ النَّاسَ لَا يَشُكُّونَ أَنْ قَدْ قُتِلْتُ، وَلِي وَدَائِعُ وَأَمْوَالٌ عِنْدَ النَّاسِ لَا تُؤَدَّى إِلَيْكُمْ أَبَدًا، فَأَظْهِرْنِي لِلنَّاسِ لِيَعْلَمُوا أَنِّي حَيٌّ فَيُؤَدُّوا الْمَالَ. فَأَعْلَمَ الْحَجَّاجَ، فقال: أَظْهِرْهُ. فَأُخْرِجَ إِلى بَابِ الْمَدِينَةِ، فصَاحَ فِي النَّاسِ: مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا فَيْرُوزُ حُصَيْنٍ، إِنَّ لِي عِنْدَ أَقْوَامٍ مَالًا، فَمَنْ كَانَ لِي عِنْدَهُ شَيْءٌ فَهُوَ لَهُ، وَهُوَ مِنْهُ فِي حِلٍّ، فَلَا يُؤَدِّ أَحَدٌ مِنْهُمْ دِرْهَمًا، لِيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ. فَأَمَرَ بِهِ الحَجَّاجُ فَقُتِلَ.