قَالَ جَعْفَرُ بنُ أَبِي الْمُغِيرَةِ: فَمَرَرْتُ بِهِ فَوَجَدْتُهُ بِآخِرِ رَمَقٍ، فَقُلْتُ: يَا حطيطةُ، أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، اسْقِنِي شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّهُ كَانَ أَشَدَّ عَذَابِهِمْ عَلَيَّ. قَالَ: فَقَدِمْتُ، فَأَتَيْتُهُ بِشَرْبَةٍ مِنْ سَوِيقِ حَبِّ الرُّمَّانِ فَجِئْتُ فَوَجَدْتُهُ قَدْ مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ».
ثم رواها ابن أبي الدنيا برقم (99) قال: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بنُ الْحَسَنِ، عَنْ عَمْرِو بنِ حَمَّادِ بنِ طَلْحَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَاللَّهِ بنَ حُمَيْدٍ الثَّقَفِيَّ، يَذْكُرُ عَنْ أَبِيهِ - وكَانَ مِنْ حَرَسِ الحَجَّاجِ-، قَالَ: لَمَّا أُتِيَ بِحُطَيْطٍ فَكَلَّمَهُ الْحَجَّاجُ، أَمَرَ بِهِ لَيُعَذَّبَ قَالَ: فَأَخْرَجَهُ صَاحِبُ عَذَابِهِ فَقَالَ: يَا حُطَيْطُ، قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي أَمَرَنِي بِهِ فِيكَ الْأَمِيرُ، فَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهُ؟ فَقَالَ لَهُ حُطَيْطٌ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، أَنْتَ تُطِيعُهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَتَبِيعُ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاهُ، أَنْتَ مِمَّنْ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، فَتَبًّا لَكَ آخِرَ الدَّهْرِ». قَالَ: مَا أَعْدَدْتَ لِذَلِكَ يَا حُطَيْطُ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ فِيكَ؟ فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ قَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، أَعْدَدْتُ لِذَلِكَ مَا وَعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ تَكْمِلَةَ الْأُجُورِ بِغَيْرِ حِسَابٍ، أَعْدَدْتُ وَاللَّهِ لِذَلِكَ الصَّبْرَ حَتَّى يَنْفُذَ فِيَّ قَضَاءُ اللَّهِ وَقَدْرُهُ» قَالَ: فَعُذِّبَ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ، فَمَا نَبَسَ بِكَلِمَةٍ، حَتَّى إِذَا قَرُبَ أَنْ تَخْرُجَ نَفْسُهُ، أُخْرِجَ فَرُمِيَ بِهِ عَلَى مَزْبَلَةٍ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ لَهُ: يَا حُطَيْطُ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَجَعَلَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ بِهَا وَلَا يُبَيِّنُ الْكَلَامَ، ثُمَّ فَاضَتْ نَفْسُهُ.
ثم رواها برقم (124) قال: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بنُ إِسْمَاعِيلَ، قال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ طُعْمَةَ الجَعْفَرِيِّ، عَنْ عُمَرَ بنِ قَيْسٍ قالَ: لَمَّا أُتِيَ الْحَجَّاجُ بِحُطَيْطٍ الزَّيَّاتِ قَالَ لَهُ: أَحَرُورِيُّ أَنْتَ؟ قَالَ: «مَا أَنَا بِحَرُورِيٍّ، وَلَكِنِّي عَاهدْتُ اللَّهَ أَنْ أُجَاهِدَكَ بِيَدِي وَبِلِسَانِي وَبِقَلْبِي، فَأَمَّا يَدِي فَقَدْ فُتَّهَا، وَأَمَّا لِسَانِي فَهَذَا تَسْمَعُ مَا تَقُولُ، وَأَمَّا قَلْبِي فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيهِ». قَالَ: فَوَثَبَ حَوْشَبٌ - صَاحِبُ شُرَطِهِ - فَسَارَّهُ بِشَيْءٍ. قَالَ: يَقُولُ لَهُ حُطَيْطٌ: «لَا تَسْمَعْ مِنْهُ، فَإِنَّهُ غَاشٌّ لَكَ». قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: مَا تَقُولُ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؟ فَقَالَ: «أَقُولُ فِيهِمَا خَيْرًا». قَالَ: مَا تَقُولُ فِي عُثْمَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ؟ قَالَ: «مَا وُلِدْتُ إِذْ ذَاكَ». فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: يَا ابْنَ اللَّخْنَاءِ، وُلِدْتَ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَلَمْ تُولَدْ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ؟ فَقَالَ لَهُ حُطَيْطٌ: «يَا ابْنَ اللَّخْنَاءِ لَا تَعْجَلْ، إِنِّي وَجَدْتُ النَّاسَ اجْتَمَعُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقُلْتُ بِقَوْلِهِمْ، وَاخْتَلَفُوا فِي عُثْمَانَ فَوَسِعَنِي السُّكُوتُ». فَوَثَبَ مَعَدٌّ - صَاحِبُ عَذَابِ الْحَجَّاجِ - فَقَالَ: إِنْ رَأَى الْأَمِيرُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيَّ، فَوَاللَّهِ لَأُسْمِعَنَّكَ صِيَاحَهُ. قَالَ: خُذْهُ إِلَيْكَ. قَالَ: فَحَمَلَهُ، فَمَكَثَ يُعَذِّبُهُ لَيْلَتَهُ جَمْعَاءَ وَلَا يُكَلِّمُهُ حُطَيْطٌ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ دَعَا بِدَهْقٍ، وَاعْتَمَدَ عَلَى سَاقِهِ فَكَسَرَهَا وَاكْتَبَى عَلَيْهَا. قَالَ: فَقَالَ لَهُ حُطَيْطٌ: «يَا أَفْسَدَ النَّاسِ وَأَلْأَمَهُمْ، تَكْتَبِي عَلَى سَاقِي بَعْدَ أَنْ كَسَرْتَهَا؟ وَاللَّهِ لَا كَلَّمْتُكَ»، فَلَمَّا أَصْبَحَ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ. فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ قَالَ: إِنْ رَأَى الْأَمِيرُ أَنْ يَأْخُذَهُ، فَقَدْ أَفْسَدَ عَلَيَّ أَهْلَ سِجْنِي، يَسْتَحْيُونَ أَنْ لَا يَصْبِرُوا. قَالَ: عَلَيَّ بِهِ فَأُتِيَ بِهِ، فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ: وَإِلَى جَنْبِ الْحَجَّاجِ شَيْخٌ مِنْ مَشْيَخَةِ أَهْلِ الشَّامِ قَالَ: فَقَالَ حُطَيْطٌ لِلْحَجَّاجِ: «كَيْفَ رَأَيْتَ؟» قَالَ إِسْحَاقُ: يَعْنِي قَوْلَ مَعَدٍّ لَهُ: وَاللَّهِ لَأُسْمِعَنَّكَ صِيَاحَهُ قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: أَتَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: فَاقْرَأْ. قَالَ بِهِ حُطَيْطٌ: «لَا، بَلِ اقْرَأْ أَنْتَ». قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: اقْرَأْ. قَالَ حُطَيْطٌ: «لَا، بَلِ اقْرَأْ أَنْتَ». كُلُّ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِ. قَالَ: فَقَرَأَ الْحَجَّاجُ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1] حَتَّى بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] قَالَ: فَقَالَ لَهُ حُطَيْطٌ: «قِفْ». قَالَ: فَوَقَفَ الْحَجَّاجُ، فَقَالَ لَهُ حُطَيْطٌ: «هُوَ ذَا أَنْتَ تُعَذِّبُهُمْ». قَالَ: فَقَالَ: عَلَيَّ بِالْعَذَابِ. قَالَ: فَأُتِيَ بِمُسَالٍ أَوْ سِلَاءٍ، فَأَمَرَ بِهَا فَغُرِزَتْ فِي أَنَامِلِهِ، فَقَالَ الشَّيْخُ الَّذِي إِلَى جَنْبِ الْحَجَّاجِ: تَالَلَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رَجُلًا أَصْبَرَ مِنْهُ. قَالَ: فَقَالُ لَهُ حُطَيْطٌ: «إِنَّ اللَّهَ يُفْرِغُ الصَّبْرَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِفْرَاغًا». قَالَ: فَقَالَ الْحَجَّاجُ لِمَعْدٍ: وَيْحَكَ، أَرِحْنِي مِنْهُ. قَالَ: فَحَمَلَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ. قَالَ بَعْضُ أَعْوَانِ الْحَجَّاجِ: فَرَحِمْتُهُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ: هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ؟ قَالَ: «لَا إِلَّا أَنَّ لِسَانِيَ قَدْ يَبِسَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ».