قالَ أَبُو عمر الضَّرِيرُ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بنُ حُمْرَانَ، قالَ: «قِيلَ لَهَا: قدْ أُمِرَ بِقَطْعِ يَدَيْكِ وَرِجْلَيْكِ وَسَمْلِ عَيْنَيْكِ، فَقَالَتِ: الْحَمْدُ للَّهِ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَعَلَى الْعَافِيَةِ وَعَلَى الْبَلاءِ. قَالَت: كنت أؤمل فِي اللَّهِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هذَا. قَالَ: فَلَمَّا قطعت جعل الدَّم لَا يرقى فحسمت بِالنَّارِ، فَقَالَتْ: حَيَاةٌ كَرِيمَةٌ وَمِيتَةٌ طَيِّبَةٌ لأَنِّي نلْت مَا أملت يَا نَفسِي مِنْ جَزِيلِ ثَوَابِ اللَّهِ، لَقَدْ نِلْتِ سُرُورًا دَائِمًا لَا يَضُرُّكِ مَعَهُ كَدَرُ عَيْشٍ وَلا مُلاحَاةُ الرِّجَالِ فِي الدَّارِ الْفَانِيَةِ، ثُمَّ اضْطَرَبَتْ حَتَّى مَاتَت».
قال: وحَدَّثَنِي عَبْدُاللَّهِ بنُ الوَلِيدِ عَنْ خَالِدِ بنِ خِدَاشِ بنِ عَجْلانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَالِمُ بن عمر، قالَ: «صَلَّى سَالِمٌ الْهِلالِيُّ عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ جَلَسَ فِي ظِلِّ قَصْرٍ أَوْ قَبْرٍ فَقَالَ لأَصْحَابِهِ أَلا كُلُّ مَيِّتَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ فَهِيَ ظَنُونٌ، ثُمَّ قَالَ: هلْ تَدْرُونَ مَا حَالُ أختكم البلجاء؟ قَالُوا: وَمَا كَانَ حَالِهَا؟ قَالَ: قَطَعَ ابنُ زِيَادٍ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا وَسَمَلَ عَيْنَيْهَا فَمَا قَالَتْ حَسَّ! فَقِيلَ لَهَا ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ: شَغَلَنِي هَوْلُ الْمَطْلَعِ عَنْ أَلَمِ حَدِيدِكُمْ هذَا».
قال: َأَخْبَرَنِي عَبْدُاللَّهِ بنُ الْوَلِيدِ، عَنْ بَعْضِ رِجَالِهِ، عَن عَبْدِالمَلِكِ بنِ قَرِيبٍ أَبُو سَعِيدٍ الأَصْمَعِيُّ قالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ أَدْرَكَ ذَاكَ، قَالَ: «لَمَّا أُوِتَي بِهَا ابنُ زِيَادٍ - يَعْنِي البَلْجَاءَ- أَمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ يَدَاهَا وَرِجْلاهَا فَمَا نَبَسَتْ بِكَلِمَةٍ. قَالَ: فَأُتِيَ بِنَارٍ لِتُكْوَى بِهَا، فَلَمَّا رَأَتِ النَّارَ صَرَخَتْ! فَقِيلَ لَهَا: قُطِعَتْ يَدَاكِ وَرِجْلاكِ فَلَمْ تَنْطِقِي بِشَيْءٍ، فَلَمَّا رَأَيْتِ النَّارَ صَرَخْتِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُدْنَى مِنْكِ!! فَقَالَتْ: لَيْسَ مِنْ نَارِكُمْ صَرَخَتْ وَلَا على دنياكم أسفت، وَلَكِنِّي ذَكَرْتُ بِهَا النَّارَ الْكُبْرَى فَكَانَ الَّذِي رَأَيْتُمْ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَأُمِرَ بِهَا فَسُمِلَتْ عَيَنْاهَا. فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ قَدْ طَالَ فِي الدُّنْيَا حُزْنِي فَأَقِرَّ فِي الآخِرَةِ عَيْنِي. قَالَ: ثُمَّ خَمَدَتْ».
قال: وأَخْبَرَنِي عَبْدُاللَّهِ بنُ الْوَلِيدِ، عَنْ بَعْضِ رِجَالِهِ، عَنْ دَاوُدَ بنِ المُحَبَّرِ، قالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ يَقُولُ: «لَمَّا مُثِّلَ بِالْبَلْجَاءِ جَعَلَتْ تعزي نَفسهَا بِالقُرْآنِ تَقول ﴿وَمَا صبرك إِلَّا بِاللَّه﴾ ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهو خير للصابرين﴾ ثُمَّ قَالَتْ: لَئِنْ كُنْتُ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِي إِنَّ هَذَا لَقِليلٌ فِي جَنْبِ مَا أَطْلُبُ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ. قالَ: فَمَا تَكَلَّمَتْ بِغَيْرِها حَتَّى مَاتَتْ رَحِمَهَا اللَّهُ».
قلت: فلم يذكر أيّ راوٍ أنها صلبت عارية!
على أن قصة قتلها ربما تكون صحيحة لكن بهذه الطريقة ففيه نظر؛ لأن هذه الأسانيد كلها ضعيفة!
فعمران بن خالد ضعيف لا يُحتج به، وشيخه عبدالجبار لم أعرفه! وبكر بن حمران ليس بالمشهور ولم يذكر من حدّثه به! وخالد بن خداش لا بأس به لكن شيخه سالم لم أعرفه، وبقية مشايخ عبدالله بن الوليد مجاهيل لا يُعرفون!
نعم كان عبيدالله بن زياد بن أبيه سفّاكاً للدماء، لكن لم يثبت عنه هذه الفرية!
قال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (3/ 546): "وقد جرت لعبيدالله خطوب، وأبغضه المسلمون لما فعل بالحسين - رضي الله عنه - فلما جاء نعي يزيد، هرب بعد أن كاد يؤسر، واخترق البرية إلى الشام، وانضم إلى مروان".