وهناك رسالة من غيلان إلى عمر بن عبدالعزيز ينقلها زنادقة عصرنا يعتمدون فيها على كتاب «المُنية والأمل» لابن المرتضى الشيعيّ (ت 840 هـ) فقد نقلها كذلك دون إسناد في كتابه (ص 16 - 17)!!
ومما قاله أحد زنادقة هذا الزمان ينتقص من الأمويين ويرفع من شأن غيلان: "لقد كانت اعتراضات غيلان الدمشقي على السياسة المالية للأمويين من الجذرية إلى درجة التحريض على الثورة ... وعندما تولى عمر بن عبدالعزيز الخلافة التجأ إلى غيلان لإعانته على تطبيق إصلاحاته السياسية والاقتصادية (والتي كانت وراء وصفه بالخليفة العادل وخامس الخلفاء الراشدين ... ) رغم أنه لم يتبن أفكاره ... وتنقل لنا المصادر التاريخية رسالة من غيلان إلى عمر بن عبدالعزيز أرسلها له بعد أن أحس منه التهاون في تطبيق إصلاحاته تحت ضغط أبناء عمومته من الأرستقراطية الأموية, ويدافع غيلان في رسالته تلك عن حرية الإنسان والعدالة الإلهية التي تستلزم العدالة الإنسانية, مستخدما في سبيل ذلك منهجا عقليا في الاستدلال والاحتجاج, فيقول: "أبصرت يا عمر وما كدت ونظرت وما كدت, اعلم يا عمر أنك أدركت من الإسلام خلقا باليا ورسما عافي, فيا ميتا بين الأموات ألا ترى أثرا فتتبع ولاتسمع صوتا فتنتفع. طفا أمر السنة وظهر البدعة, أخيف العالم فلا يتكلم (قمع حرية التعبير) ولا يعطى الجاهل فيسأل (لا يسمح له بالسؤال عما يجهل) وربما نجت الأمة بالإمام, فانظر أي الإمامين أنت (العادل أم الجائر) فإنه تعالى لا يقول تعالوا إلى النار, إذا لا يبعه أحد ولكن الدعاة إلى النار هم الدعاة إلى معاصي الله. فهل يا عمر وجدت حكيما (يقصد الله) يعيب ما يصنع أو يصنع ما يعيب؟ أو يعذب على ما قضى أو يقضي بما يعذب عليه؟ أم هل وجدت رحيما يكلف العباد فوق طاقتهم أو يعذبهم على الطاعة؟ أم هل وجدت عدلا يحمل الناس على الظلم والتظالم؟ وهل وجدت صادقا يحمل الناس على الكذب أو التكاذب بينهم؟ كفا ببيان هذا بين وبالعمى عنه عمى ... ". وعندما عرض عليه عمر إسناد وظيفة إليه طلب أن يتولى "بيع الخزائن ورد المظالم" وهو اختيار له مغزاه. إنه لم يختر لا الولاية ولا القضاء بل اختار وظيفة ليس فيها مكاسب وإنما رد المظالم أي إنصاف الذين ظلمهم الولاة والقضاة. وسيكون منصبه هذا وراء قتله, حيث تحكي المصادر أنه وقف حين ولاه عمر بيع الخزائن ورد المظالم يقول: "تعالوا إلى متاع الخونة (يقصد الحكام الأمويين) تعالوا إلى متاع الظلمة, تعالوا إلى متاع من خلف رسول الله في أمته بغيرسنته وسيرته ... وكان فيما نادى عليه جوارب خز (حرير) فبلغ ثمنها ثلاثين ألف درهم وقد ائتكل بعضها. فقال غيلان: من يعذرني ممن يزعم أن هؤلاء كانوا أئمة هدى وهذا يئتكل والناس يموتون من الجوع ... فمر به هشام بن عبدالملك (الذي سيصبح خليفة بعد اغتيال عمر بن عبدالعزيز) فقال: هذا يعيبني ويعيب آبائي, والله إن ظفرت به لأقطعن يديه ورجليه ... ".
فهذه هي القصص التي يحتج بها الكذاب المالكي وعدنان إبراهيم وغيرهما من الزنادقة قصص دون أسانيد وبعضها لا توجد إلا في كتب الشيعة!!
أفنترك الكتب الصحيحة التي تذكر لنا القصص بالأسانيد الصحيحة ونعتمد على الكتب الشيعية التي فيها هذه القصص المكذوبة دون أسانيد!!
أين هو العقل الذي تتبجحون به دائماً؟!! هل هذا يصح عقلا يا أصحاب العقول؟!!
ثم إن مما يدل على كذب هذه القصص أن عمر بن عبدالعزيز كان قد ناقش غيلان هذا في مذهبه البدعي! وحذّره منه وتوعده بالعقاب! فكيف يستعين به في أمور النّاس؟!
روى ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (48/ 194) بأسانيد صحيحة عن جمع من أهل العلم منهم الزهري وعمرو بن مهاجر: «أنّ غيلان دخل على عمر بن عبدالعزيز فسلّم ودعا له، ثم قال: اجلس فجلس، وسأله عن الناس، فأخبره صلاحاً من الناس، فحمد الله على ذلك، ثم قال: ويحك يا غيلان، ما هذا الكلام الذي بلغني عنك! قال: يا أمير المؤمنين، أتكلم وتسمع؟ قال: تكلم، قال: فقرأ ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ حتى بلغ ﴿إما شاكراً وإما كفوراً﴾، ثم سكت. فقال له عمر: ويحك يا غيلان! أمن ههنا تأخذ الأمر وتدع بدء خلق آدم؟! قال: هات يا أمير المؤمنين. فقال عمر: قال الله عز وجل ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ إلى قوله ﴿ما كنتم تكتمون﴾. فقال غيلان: صدقت يا أمير المؤمنين، والله لقد جئتك ضالاً فهديتني، وأعمى فبصرتني، وجاهلاً فعلمتني، والله لا أتكلم في شئ من هذا الأمر أبداً. قال عمر: لئن بلغني أنك تكلم في شئ من هذا الأمر أبداً لأجعلنك نكالاً للناس - أو للعالمين -. قال عمر: وقد دسست إليه ناساً، فكف عن ذلك". ولم يتكلم بشئ حتى مات عمر، فلما مات عمر سال فيه سيل الماء أو سيل البحر».