تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا الذي نقله ابن حجر قد أتبعه مباشرة بتفسيره من كلام الإمام البيهقي، فلا يجوز نقله دون نقل تفسيره؛ لأن الإمام أحمد قد أثنى على الأوزاعي وعدّه من الأئمة، فكيف يكون إماماً عنده ثم يُضعّف حديثه!

قال البيهقي: "يريد أحمد بذلك بعض ما يَحتج به؛ لأنه أضعف في الرواية، والأوزاعي إمام في نفسه ثقة، لكنه يحتج في بعض مسائله بأحاديث من لم يقف على حاله ثم يحتج بالمقاطيع. وقال عقبة: أرادوا الأوزاعي على القضاء فامتنع، فقيل: لم لم يكرهوه؟ فقال: هيهات، هو كان أعظم في أنفسهم قدراً من ذلك. وقال أبو عبدالملك القرطبي في تاريخه: كانت الفتيا تدور بالأندلس على رأي الأوزاعي إلى زمن الحكم بن هشام المتوفى سنة 256. وقال الخليلي في الإرشاد: أجاب عن ثمانين ألف مسألة في الفقه من حفظه".

قلت: وهذا الذي نقله ابن حجر عن أحمد رواه ابن عساكر في «تاريخه» (35/ 183) قال: كتب إليّ أبو نصر ابن القشيري، عن أبي بكر البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبدالله الحافظ، قال: سمعت أبا علي الشافعي - يعني الحسين بن يحيى بن زكريا - يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عبدالله الشافعي يقول: سمعت إبراهيم بن اسحاق الحربي يقول: سألت أحمد بن حنبل، قلت: ما تقول في مالك بن أنس؟ قال: "حديث صحيح، ورأي ضعيف". قلت: فالأوزاعيّ؟ قال: "حديث ضعيف، ورأي ضعيف". قلت: فأبو حنيفة؟ قال: "لا رأي، ولا حديث". قلت: فالشافعي؟ قال: "حديث صحيح، ورأي صحيح".

ثم رواه أيضاً عن الحسن بن الحسين بن المنذر القاضي والحسن بن أبي بكر وأبو الحسن علي بن محمد بن علي بن السقا الإسفرايني، كلهم عن أبي بكر الشافعي البغدادي، به.

قال أحمد البيهقي: "قوله في الأوزاعي (حديث ضعيف) يريد به بعض ما يحتج به، لا أنه ضعيف في الرواية، والأوزاعي ثقة في نفسه لكنه قد يحتج في بعض مسائله بحديث من عساه لم يقف على حاله، ثم يحتج بالمراسيل والمقاطيع وذلك بيّن في كتبه".

قلت: ويؤيد كلام البيهقي أن أحمد قصد هذا أن السؤال كان عن أئمة الفقه في ذلك الزمان (مالك وأبو حنيفة والشافعي والأوزاعي)، فالمسألة في الاحتجاج لا في الرواية.

وقد سُئِل أحمد عن أصحاب يحيى بن أبي كثير؟ فقال: "هشام ثم أبان ثم ذكر آخر". فقيل له: فالأوزاعي؟ قال: "الأوزاعي إمام".

وروى زكريا الساجي قال: حدثنا أحمد بن محمد قال: سمعت أحمد بن حنبل - وذكر أصحاب يحيى بن أبي كثير - فقال: "هشام. نرجع إلى كتاب الأوزاعي حافظ، وذكر غيرهما".

ونعود إلى القصة التي ذكرها الكذاب المالكي أن عمر بن عبدالعزيز كلفه ببيع كنوز بني أمية!

فهذه القصة كذب! ولا إسناد لها!! فأعجب ممن يحتج بقصص لا إسناد لها ويترك ما له أسانيد صحيحة من أجل الهوى!!

فهذه القصة ذكرها ابن حمدون (ت 562 هـ) في «تذكرته» قال: "قال عمر بن عبدالعزيز في غيلان بن مسلم الدمشقي: من سرّه أن ينظر إلى رجل وهب نفسه لله، ليس فيه عضو إلّا ينطق بحكمة فلينظر إلى هذا.

وقال له: يا أبا مروان، أعنّي أعانك الله، فقال: ولّني ردّ المظالم، فولّاه، فكان يخرج خزائن بني أمية فينادي عليها: هلمّوا إلى متاع الخونة. ونادى على جوارب خزّ قد تآكلت بلغت قيمتها ثلاثين ألفا، فقال: من عذيري ممن يزعم أنّ هؤلاء أئمة عدل؟ قد تآكلت هذه الجوارب في خزائنهم، والفقراء والمساكين يموتون جوعا. فلما ولي هشام بعث إليه واستنطقه فقال: أعوذ بجلال الله أن يأتمن الله خوّانا أو يستخلف خزّانا؛ إنّ أئمته القوّامون بأحكامه، الراهبون لمقامه؛ لم يولّ الله وثّابا على الفجور، ولا شرّابا للخمور، ولا ركّابا للمحظور.

فقطع هشام يديه ورجليه".

وذكرها الزمخشري المُعتزلي (ت 583 هـ) في كتابه «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار».

وهكذا انتشرت هذه القصة التي ذكرها المعتزلة لأنهم يعدّون غيلان القدري منهم! وليس لهم أي إسناد لها!

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٣١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٣١٩