تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا الحديث قد فصّلت فيه في بعض كتبي. وهو الدليل الأقوى لمن استدل به على عدم كُفر تارك الصلاة، وفي هذا نظرٌ شديد! فإن يزيد بن هارون روى هذا الحديث عن يحيى بن سعيد، وجاء في بعض الروايات عنه مثل ما جاء عند مالك، وجاء في بعضها كما هو عند ابن أبي شيبة وغيره: "ومن أنقصهن من حقهن شيئاً جاء وليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء ادخله الجنة".

ويؤيده ما رواه شعبة عن عبدربه بن سعيد عن محمد بن يحيى وفيه: "ومن جاء بهن قد انتقص منهن شيئاً استخفافاً بحقهن لم يكن له عند الله عهد"، وفي رواية ابن إسحاق عن محمد بن يحيى: "ومن لقيه وقد انتقص منهن شيئاً استخفافاً بحقهن لقيه ولا عهد له إن شاء عذبه وإن شاء غفر له".

فيُحمل ما جاء في رواية مالك: "ومن لم يأت بهنّ" على أنه من لم يأت بهن دون نقصان، أي أتى بهنّ ولكن انتقص من حقهن، لا أنه لم يأت بهن من أصلهن، بل إن سياق الحديث يدل على وجوب الصلوات الخمسة، ومن ثم يفرق بين من يصليهن مع تمامهن وبين من يصليهن وينتقص منهن، فمن أتى بهن كاملات كما أمر الله تعالى فله عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن قصّر في تمامهن فهو في مشيئة الله، إما أن يغفر له ويدخله الجنة ويسامحه على تقصيره في عدم إتمامهن، وإن شاء عذبه على ذلك التقصير. ويؤيده ما رواه الطبراني في "مسند الشاميين" (3/ 248) عن العباس بن الفضل الأسفاطي، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، عن المخدجي، عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن أتى بهن لم ينقص منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عز وجل عهد أن يدخله الجنة، ومن أتى بهن وقد انتقص منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان أمره إلى الله عز وجل إن شاء عذبه وإن شاء عفى عنه".

وقد روى الحديث عن محمد بن يحيى بن حبان جماعة. رواه عنه باللفظ الأول يحيى بن سعيد الأنصاري، ورواه عنه جماعة منهم: سفيان ومالك والليث ويزيد بن هارون. وخالف يحيى بن سعيد في لفظه جماعة، منهم: عبد ربه بن سعيد، وسعد بن سعيد، وابن إسحاق، وابن عجلان، فكلهم رووه عن محمد بن يحيى باللفظ الآخر، وهذا هو الصواب. وكأن يحيى بن سعيد أخطأ في اللفظ؛ ومما يؤيد ذلك أن يزيد بن هارون رواه عنه باللفظين معاً، ورواه هشيم عن يحيى بن سعيد بلفظ: "فمن جاء بهن وقد أكملهن ولم ينتقصهن استخفافاً بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة. ومن جاء بهن وقد انتقصهن استخفافاً بحقهن لم يكن له عند الله عهد. إن شاء عذبه وإن شاء غفر له".

·…توريث تارك الصلاة ودفنه مع المسلمين إنما هو بسبب وجود فتاوى عدم تكفيره!!

خامساً: وأما ما نقله الشيخ عن السخاوي: "ولهذا لم يزل المسلمون يرثون تارك الصلاة ويورثونه ولو كان كافراً لم يغفر له، ولم يرث ولم يورث".

وكذلك نقله نحو هذا عن الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله في "حاشيته على المقنع"، (1/ 95 - 96): "ولأن ذلك إجماع المسلمين، فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة، ترك تغسيله والصلاة عليه، ولا منع ميراث موروثه مع كثرة تاركي الصلاة، ولو كفر لثبتت هذه الأحكام. وأما الأحاديث المتقدمة، فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكفار لا على الحقيقة، كقوله عليه الصلاة والسلام: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر"، وقوله "من حلف بغير الله فقد أشرك" وغير ذلك. قال الموفق: وهذا أصوب القولين" انتهى.

قلت: هذه انتقائية في نقل الأقوال!! فالألباني أينما وجد نصّاً يؤيد رأيه نقله وغمز مخالفه ونعتهم بالتعصب لرأيهم!!

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٣١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٣١٤