وله طريق آخر بلفظ مُشابه للفظ حديث الباب، وهو ما أخرجه الحاكم في "المستدرك" (4/ 552) (8544) من طريق عُثْمَان بن أَبِي شَيْبَةَ، قال: حدثَنَا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ، قال: حدثَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «يُسْرَى عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَيُرْفَعُ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَا يُصْبِحُ فِي الْأَرْضِ آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ وَلَا مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَلَا الزَّبُورِ، وَيُنْتَزَعُ مِنْ قُلُوبِ الرِّجَالِ فَيُصْبِحُونَ وَلَا يَدْرُونَ مَا هُوَ».
قال الحاكم: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ".
قلت: وهذا أيضاً تفرد به أبي مالك عن أبي حازم، ولا يُعرف من حديث أبي هريرة إلا من طريقه!
وهذه الروايات التي يتفرد بها أبو مالك الأشجعي وهي في نفس البابة تقريباً يجعلنا نتوقف في حديثه ولا نقبله حتى نجد له متابعاً.
وعليه فلا يصح حديثه.
·…توجيه أثر حذيفة إن سلمنا - جدلاً- بصحته، وبيان أن الألباني لم يفهمه على حقيقته وفي سياقه!
ثانياً: لو سلّمنا بصحة الأثر عن حذيفة لم يكن للشيخ الألباني حجة فيه على أن تارك الصلاة لا يكفر! بل هو حجّة عليه في ذلك، وهذا من وجهين:
الأول: أنّ الأثر يُخبر عن حالة في آخر الزمان حيث تندرس معالم الإسلام، ولا يعرف الناس الأعمال، ويُرفع كتاب الله، وينشأ ذلك الجيل دون قرآن ولا أعمال، ولا يعرفون عن ذلك شيئاً، وإنما يسمعوا من كبارهم يقولون: "أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَنَحْنُ نَقُولُهَا".
فحينها يكونون على التوحيد الفطري مع هذه الكلمة، فحالهم يختلف عن حالنا حتى نعذر تارك الصلاة، والقرآن بيننا وأحكام الله معروفة، فلا يصح القياس في هذا.
الثاني: ما فهمه صِلَة بن زُفَر من أنّ كلمة "لا إله إلا الله" لا تنفعهم وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فهمٌ صحيح، وهذا يدلّ على أن تارك هذه يكفر، وحذيفة قد أقره على هذا الفهم، ألا تراه أعرض عنه ثلاثًا، ثم صحح له الفارق بيننا وبينهم أنهم لا يعرفون العمل؛ لأنه قد اندرس، ورفع القرآن، وهذه الكلمة التي توارثوها تُنْجِيهِمْ من النّار، أيّ يكتفى منهم بالتوحيد الفطري.
·…حديث ابن مسعود في رفع القرآن وطرقه:
وحديث رفع القرآن آخر الزمان رُوي أيضاً عن عبدالله بن مسعود من قوله! ورُوي عنه من عدة طرق جيدة لا بأس بها!
رواه عَبْدالعَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ شَدَّادَ بْنَ مَعْقِلٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَاللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الْأَمَانَةُ، وَآخَرَ مَا يَبْقَى الصَّلَاةُ، وَأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ يُوشِكُ أَنْ يُرْفَعَ»، قَالُوا: وَكَيْفَ يُرْفَعُ وَقَدْ أَثْبَتَهُ اللَّهُ فِي قُلُوبِنَا وَأَثْبَتْنَاهُ فِي مَصَاحِفِنَا؟ قَالَ: «يُسْرَى عَلَيْهِ لَيْلَةً فَيَذْهَبُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَمَا فِي مَصَاحِفِكُمْ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: 86].
رواه جماعة عن عبدالعزيز، منهم: ابن عيينة، والثوري، وإسرائيل بن يونس، وأبو الأحوص سلام بن سليم، وزهير بن معاوية، وشعبة.
وهذا إسناد لا بأس به.
أخرجه سعيد بن منصور في "كتاب التفسير" من "سننه" (2/ 335) (97)، ونُعيم بن حماد في "الفتن" (1669) و (1685)، كلاهما عن سُفْيَان بن عيينة.
وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (4/ 549) (8538) من طريق الحُمَيْدِيّ، عن ابن عيينة.
وأخرجه البيهقي في "الشعب" (4/ 589 - 590) (1869) من طريق سعيد بن منصور.