والإدراك لا يعني أنه لقيه أو سمع منه. وأبو هريرة توفي هو وعائشة سنة (57 هـ) وخالد بن معدان توفي سنة (103 هـ)، فالإدراك حاصل لكن اللقاء لم يثبت، وقد اتفق أهل العلم أنه لم يسمع من عائشة، وأبو هريرة وعائشة كانا في المدينة، فالظاهر أنه لم يلقهما، وكان أهل الشام يتأخرون في الرحلة في طلب العلم.
والحاكم صحح الحديث مع عدم جزمه بالسماع! فإنه قال: "سَمَاعُ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَغَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ"!
نعم، سماعه غير مستبعد لكنه لم يثبت.
·…خطأ للذهبي!
وقد قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (3/ 41): "وقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَمْ يَصِحَّ سَمَاعُهُ مِنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَخَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ متّصلٌ قَدْ أَدْرَكَهُ".
قلت: هذا النقل من الذهبي - إن كان كذلك في المخطوط كما حققه بشار معروف - خطأ! ولعله مبتوراً! أو أنه نقله من حفظه فوهم!! فأبو حاتم لم يحكم باتصاله، وإنما سأله ابنه هل هو متصل؟ فأجاب بأنه أدركه فقط.
وقال الإمام البخاري في "التاريخ الكبير" (3/ 176): "خَالِد بْن معدان الكلاعي ... سَمِعَ أبا أمامة، وعمير بن الأسود، وجبير بن نفير، والمقدام، وعن كثير بْن مرة .. وقال أَبُو مسهر: حدثنا إِسْمَاعِيل بن عياش عَنْ عبدة بنت خَالِد: أن خَالِد بْن معدان أدرك سبعين من أصحاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. ".
قلت: فالبخاري هنا لم يثبت سماعه من أبي هريرة بل لم يذكره أبداً، وكأنه رجّح أن بينهما واسطة فلم يذكره، وأثبت سماعه من طبقة صغار الصحابة الذين توفوا بعد (85 هـ)، سمع من أبي أمامة (ت 86 هـ)، والمقدام بن معد كرب (ت 87 هـ)، وسمع من بعض كبار التابعين كجبير بن نُفير (75 هـ)، وعمير بن الأسود (مات في خلافة معاوية).
فخالد بن معدان لم يسمع من كبار الصحابة، وإنما من بعض صغار الصحابة الذين كانوا في الشام.
قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (3/ 351): "خالد بن معدان الكلاعي، شامي، لقي من الصحابة: أبا أمامة (ت 86 هـ)، والمقدام بن معدي كرب (ت 87 هـ)، وعتبة بن عبد (ت 87 هـ)، وابن أبي عميرة، وعبدالله بن بُسر (ت 88 هـ)، والحارث بن الحارث الغامدي، وذا مخبر، وعتبة بن ندر، وأبا الغادية، وعبدالله بن عائذ الثمالي، روى عنه بحير بن سعد وثور بن يزيد، سمعت أبي يقول ذلك".
قلت: وهذا واضح في أن خالد بن معدان قد لقي صغار الصحابة الذين توفوا بعد سنة (85 هـ).
·…هل لقي سبعين صحابياً؟!
وقد رُوي أنه لقي سبعين صحابياً! وفيه نظر!!
قال ابن حبان في "الثقات" (4/ 196): "خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي كُرَيْبٍ الْكَلاعِيُّ، يَرْوِي عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَالْمِقْدَامِ بْنِ معد يكرب، وَلَقِيَ سَبْعِينَ رَجُلا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
وقال في "مشاهير علماء الأمصار" (ص: 183): "خالد بن معدان بن أبى كرب الكلاعي أدرك سبعين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وقال أبو أحمد الحاكم" "أبو عبدالله خالد بن معدان بن أبي كرب الكلاعي الشامي الحمصي: سمع الصدي بن عجلان والمقدام بن معدي كرب، وحكى أبو عمرو السكسكي عنه أنه قال: لقد لقيت سبعين رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم". [تاريخ دمشق: (16/ 193)].
وأبو عمرو السكسكي هو صفوان بن عمرو الحمصي وهو ثقة (ت 155 هـ).
وعليه اعتمد الذهبي في "تاريخ الإسلام" (3/ 41)، وفي "تذكرة الحفاظ" (1/ 72)، قال: "قَالَ صَفْوَانُ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَقِيتُ سَبْعِينَ صَحَابِيًّا".
ولم أقف على إسناد لهذا من طريق صفوان، والمحفوظ ما رواه ابن عساكر في "تاريخه" (16/ 194) من طريق إِسْمَاعِيْل بن عَيَّاشٍ، قال: حَدَّثَتْنَا عَبْدَةُ بِنْتُ خَالِدٍ، وَأُمُّ الضَّحَّاكِ بِنْتُ رَاشِدٍ مَوْلاَةُ خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ: أَنَّ خَالِدَ بنَ مَعْدَانَ قَالَ: "أَدْرَكْتُ سَبْعِيْنَ رجلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".