وقد جاء في عبارات أهل العلم أنهم كانوا "يستخيرون" فهل معنى ذلك أنهم كانوا يؤدون هذه الصلاة كما جاءت في الحديث أم لا؟!!
أصل معنى الاستخارة: طلب الخيرَة في الشيء، اسْم من قَوْلك: اخْتَارَهُ الله.
وَفِي «النهاية في غريب الحديث» (2/ 91): "خَارَ اللَّهُ لَكَ: أَيْ أَعْطَاكَ مَا هُوَ خَيْرٌ لَك. والخِيرَةُ بِسُكُونِ الْيَاءِ: الاسمُ مِنْهُ. فَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَهِيَ الِاسْمُ، مِنْ قَوْلِكَ اخْتَارَهُ اللَّهُ، ومُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِيَرَةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِه. يُقَالُ بِالْفَتْحِ والسُّكون. والِاسْتِخَارَةُ: طَلَبُ الخِيَرَة فِي الشَّيْءِ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنْهُ. يُقَالُ اسْتَخِرِ اللهَ يَخِرْ لَك.
وَمِنْهُ دُعاء الِاسْتِخَارَة «اللهُمَّ خِرْ لِي» أَيِ اخْتَرْ لِي أصلَحَ الأمْرَين، واجْعَلْ لِي الخِيَرَةَ فِيهِ".
وَهُوَ فِي «لِسَان العَرَب» على معَان: مِنْهَا: سُؤال الفِعْل، وَالتَّقْدِير: أطلب مِنْك الخَيْر، فِيمَا هَمَمْت بِهِ، وَالخَيْر هُوَ كل معنى زَاد نَفعه على ضره.
فاستخار الله عز وجل: أي سأله خير الأمرين.
ويقال: استخار فلان فلاناً: إِذا استعطفه.
قال الهذلي:
لعلك إِمَّا أم عمرو تبدلت ... سواك خليلًا شاتمي تَسْتَخِيرها
ويقال: أصله من استخارة الضبع، وهو أن يُجعل على فم وجارها خشبة حتى تخرج من موضع آخر.
وما جاء في بعض الآثار أن بعض الصحابة كان يستخير لأمر ما كما فعل عمر في جمع القرآن استخار الله شهراً فهذا يعني الاستخارة بالمعنى اللغوي وهو طلب الخيرة، أي أنه دعا شهراً لذلك الأمر حتى شرح الله صدره له، وليس الاستخارة هنا ما جاء في هيئة الحديث من صلاة ركعتين والدعاء المخصوص فيه!!!
روى عبدالرزاق الصنعاني في «المصنف» (10/ 301) (19183) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ فِي الجَدِّ وَالْكَلَالَةِ كِتَابًا، فَمَكَثَ يَسْتَخِيرُ اللَّهَ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنْ عَلِمْتَ فِيهِ خَيْرًا فَأَمْضِهِ» حَتَّى إِذَا طُعِنَن دَعَا بِالكِتَابِ فَمَحَى فَلَمْ يَدْرِ أَحَدٌ مَا كَانَ فِيهِ، فَقَالَ: «إِنِّي كَتَبْتُ فِي الجَدِّ وَالْكَلَالَةِ كِتَابًا، وَكُنْتُ أَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهِ، فَرَأَيْتُ أَنْ أَتْرُكَكُمْ عَلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ».
وكذا كانت الاستخارة عند بعض العرب: محاولة الوصول لخير الأمرين بطريق غير الدعاء.
فقد روى العسكري في كتاب «الأوائل» (ص: 142) بإسناده إلى الواقدي قال: حدثنا ابن أبي حنيفة، عن داود بن الحصين قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم من مكة فمر في أهل يثرب على يمينه نفر، معاذ بن عفراء وأسعد بن زرارة ورافع بن مالك وذكوان بن عبد قيس وعبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة وأبو الهيثم بن التيهان وعويمر بن ساعدة، فعرض عليهم الإسلام فأسلم معاذ، وقال رافع بن مالك: دعني استخير، فكتب على بعض سهامه محمد رسول الله، وضرب بها فخرج المكتوب عليه ذلك ثلاث مرات فأسلم، ثم أسلم الباقون".
وأحياناً تأتي الاستخارة مع الاستشارة.
قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: "إذا استخار العبد ربّه، وشاور نصيحه، واجتهد رأيه، فقد قضى الذي عليه لنفسه، ويقضي الله في أمره ما أحبّ".
وقال سعيد بن عبدالعزيز التنوخيّ الدمشقي: "مَنِ اسْتَخار واسْتشار فقد قَضَى ما عليهِ".
وفي «طبقات علماء إفريقية» من طريق مُحَمَّد بن وَاقِدٍ، قال: حَدَّثَنِي عَبْدُاللَّهِ بنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، عَنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ، قالَ: "خَرَجْتُ مِنْ مَنْزِلِي بِلَيْلٍ طَوِيلٍ أُرِيدُ المَسْجِدَ، فَإِذَا عُثْمَانُ فِي مُصَلَّى النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُصَلِّي، فَصَلَّيْتُ خَلْفَهُ، ثُمَّ جَلَسَ فَدَعَا لَيْلا طَوِيلا حَتَّى أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ قَامَ مُنْصَرِفًا إِلَى بَيْتِهِ، وَقُمْتُ فِي وَجْهِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا بنَ مَخْرَمَةَ، وَاتَّكَأَ عَلَى يَدِي، إِنِّي اسْتَخَرْتُ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي لَيْلَتِي هَذِهِ فِي بَعْثَةِ الجُيُوشِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَقَدْ كَتَبَ إِلَيَّ عَبْدُاللَّهِ بنُ سَعْدٍ يُخْبِرُ بِجَرَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وَقُرْبِ حَوْزِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقُلْتُ: خَارَ اللَّهُ لأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ وَلِلْمُسْلِمِينَ، قَالَ: فَمَا رَأْيُكَ يَا ابنَ مَخْرَمَةَ؟ فَقُلْتُ: اغْزُهُمْ، قَالَ عُثْمَانُ: أَسْتَخِيرُ اللَّهَ، إِنِّي أَجْمَعُ اليَوْمَ الأَكَابِرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْتَشِيرُهُمْ، فَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فَعَلْتُهُ، أَوْ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَكْثَرُهُمْ فَعَلْتُهُ ... ".