فهذا حديث التشهد قد اشتهر وانتشر بين الصحابة ومن بعدهم بخلاف حديث الاستخارة.
شبهة وجوابها!
جاء في رواية الإمام البخاري في كتاب «التوحيد» من «صحيحه» (7390) من طريق مَعْن بن عِيسَى، عن عَبْدالرَّحْمَنِ بن أَبِي المَوَالِي، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ المُنْكَدِرِ، يُحَدِّثُ عَبْدَاللَّهِ بنَ الحَسَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بنُ عَبْدِاللَّهِ السَّلَمِيُّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ .. الحديث.
وكذا جاء في رواية زَيْد بن الحُبَابِ، عن عَبْدالرَّحْمَنِ بن أَبِي المَوَّالِي عند ابن أبي شيبة (29403).
فهنا صرّح عبد الرحمن بن أبي الموالي أنه سمع ابن المنكدر يحدّث بالحديث عبدَالله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (ت 145 هـ) [والد محمد المشهور بالنفس الزكية]، وهو من أقران ابن المنكدر (ت 130 هـ). وهذا يدلّ على ضبط عبد الرحمن للحديث، وكأنه بسبب هذا خرّجه البخاري في «صحيحه»؟!
قلت: عبد الرحمن بن أبي الموالي من موالي آل عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو يُحدّث عن عبدالله بن حسن، ولا نشك أنه سمع منه وحضر مجالسه، بل كان ممن خرج معه على السلطان، وذكره أنه سمع ابن المنكدر يُحدِّث به عبدالله بن الحسن يدلّ على ضبطه للحديث لو كان ممن يُحتج بحديثه! فربما سمعه يُحدثه بحديث آخر ليس عن جابر! فدخل له حديث في حديث! ولو كان هذا الحديث عند ابن المنكدر لوجدناه عند كبار أصحابه وأولاده سيما وأنه مذكور فيه مدى عناية النبي صلى الله عليه وسلم بتعليم هذه الصلاة والدعاء لأصحابه! فإن كان له هذه الأهمية فكيف لا يعرفه آل البيت وأصحاب ابن المنكدر وأهل بيته؟! ولمَ لمْ يُحدّث به عبدالله بن الحسن عن ابن المنكدر؟!!
ويُحتمل أن هذا الحديث كان عند ابن المنكدر مرسلاً، وله مرسلات كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلما حدّث به عبد الرحمن عنه سلك فيه الجادة فزاد فيه "عن جابر"! والله أعلم.
ويُحتمل أيضاً أن يكون الحديث عند ابن المنكدر عن مُصْعَب بن مُحَمَّدِ بنِ شُرَحْبِيلٍ العَبْدَرِيّ المَكِّيّ (ت ما بين 121 - 130 هـ) وهو من أقرانه، فأخطأ فيه عبدالرحمن بن أبي الموالي فرواه عنه عن جابر!
فقد روى البيهقي في «الأسماء والصفات» (1/ 316) (242) من طريق مُحَمَّد بن عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ، عن عَبْداللَّهِ بن رَجَاءٍ، عن سَعِيد بن سَلَمَةَ، عن يَزِيد بن الهَادِ: أَنَّ مُصْعَبَ بنَ شُرَحْبِيلَ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذَا الحَدِيثَ سَوَاءً.
ومصعب هذا يُكتب حديثه ولا يُحتج به، ولم يسمع من أبي هريرة!
روى البخاري لعبد الرحمن بن أبي الموالي عن ابن المنكدر عن جابر حديثين في «صحيحه»!
والغريب أنه لم أجد - بحسب استقرائي - لعبد الرحمن بن أبي الموالي عن ابن المنكدر عن جابر إلا حديثين! حديث الاستخارة، وحديث الصلاة في الثوب الواحد. والبخاري روى كلا الحديثين! أما الأول فتفرد به ابن أبي الموالي، وأما الثاني فقد توبع عليه، ورواه البخاري لعلو إسناده، لكن رُوي عنه أيضاً بإسناد مُغاير!!
رواه البخاري في «صحيحه» (353) و (370) عن مُطَرِّف أَبي مُصْعَبٍ، وعَبْدالعَزِيزِ بن عَبْدِاللَّهِ الأويسيّ، عن ابن أَبِي المَوَالِي، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بنِ عَبْدِاللَّهِ: وَهُوَ «يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ مُلْتَحِفًا بِهِ، وَرِدَاؤُهُ مَوْضُوعٌ»، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْنَا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ تُصَلِّي وَرِدَاؤُكَ مَوْضُوعٌ، قَالَ: نَعَمْ، أَحْبَبْتُ أَنْ يَرَانِي الجُهَّالُ مِثْلُكُمْ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي هَكَذَا».