تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: ابن حجر لم يطلق الكلام في أن بعض الأئمة يعنون بالنكارة = التفرد، وإنما قيّده بأن لا يكون المتفرد في وزن من يحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده، ولذا حكم على المستور المتفرد أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه حيث لا يوجد له متابع أو شاهد بأنه أحد قسمي المنكر المردود وهذا الذي يوجد في إطلاق كثير من أئمة الحديث.

وعليه فإن ما قصده أحمد في حديث الاستخارة يكون من هذه البابة؛ لأن ابن أبي الموالي تفرد به، وهو ليس ممن يُقبل تفرده.

وقال ابن رجب في «فتح الباري» (4/ 174): "قاعدته - يعني الإمام أحمد في المنكر-: أن ما انفرد به ثقة، فإنه يتوقف فيه حتى يُتابع عليه، فإن توبع عليه زالت نكارته، خصوصاً إن كان الثقة ليس بمشتهر في الحفظ والاتقان، وهذه قاعدة يحيى القطان وابن المديني وغيرهما".

فالعجب من ابن حجر فإنه لما يؤصل لمسألة ما فإنه يُفصّل فيها كما تقدم عن كلامه في إطلاق لفظ "منكر" على "التفرد" عموماً، لكنه يخالف ذلك عند دفاعه عن حديث ما عند الإمام البخاري!

قال في «هدي الساري» عن عبد الرحمن بن أبي الموالي: "وثقه ابن معين والنسائي وأبو زرعة، وقال أحمد وأبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن خراش: صدوق، وقال ابن عدي: مستقيم الحديث. وأنكر أحمد حديثه عن محمد بن المنكدر عن جابر في الاستخارة، قلت: هو من أفراده، وقد أخرجه البخاري، والخطب فيه سهل". وقال: "وقد احتج به البخاري وأصحاب السنن".

وعلّق على كلام ابن عدي في نهاية ترجمة عبد الرحمن: "وقد روى حديث الاستخارة غير واحد مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما رواه ابن أبي الموال".

قال الحافظ في «فتح الباري» (11/ 184): "قلت: يريد أن للحديث شواهد، وهو كما قال، مع مشاححة في إطلاقة".

أصل حديث الاستخارة!

وأصل حديث الاستخارة مرسل!

روى البيهقي في «الأسماء والصفات» (1/ 316) (242) من طريق مُحَمَّد بن عَلِيٍّ الوَرَّاق الملقّب بحمدان، عن عَبْداللَّهِ بن رَجَاءٍ الغُدَاني، قال: حدثنا سَعِيدُ بنُ سَلَمَةَ ابن أبي الحسام المدنيّ، قال: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بنُ الهَادِ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ أَبِي سَلْمَةَ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ الِاسْتِخَارَةَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ يَقُولُ: "إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمُ الشَّيْءَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ" وَذَكَرَ الحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ جَابِرٍ.

قال البيهقي: "وهُوَ مُرْسَلٌ".

قلت: نعم، هو مرسل كما قال، وعَبْدُاللَّهِ بنُ أَبِي سَلَمَةَ الماجشون المدني، مَوْلَى آلِ المُنْكَدِرِ مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّة، وكان ثقة حافظاً.

فكأن عبدالرحمن بن أبي الموالي كان عنده هذا الحديث المرسل، ولما رواه دخل عليه إسناد في إسناد؛ لأن عبد الله بن أبي سلمة هو مولى لآل المنكدر، فوهم فمشى على الجادة المشهورة في المدينة: "ابن المنكدر عن جابر"! والله أعلم.

ويُروى من طرق أخرى في مكة والكوفة موقوفة على بعض التابعين، ومرسلة! وهذا كان ينتشر بين الناس لأنهم يستهوونه.

أخرج ابن أبي شيبة في «مصنفه»، باب الرَّجُل يُرِيدُ الحَاجَةَ مَا يَدْعُو بِهِ؟ (6/ 52) (29404) عن وَكِيع، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيب بن أبي ثابت، عَنْ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: «إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمُ الحَاجَةَ، فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي أَرَدْتُهُ خَيْرًا لِي فِي دِينِي وَمَعِيشَتِي وَخَيْرِ عَاقِبَةٍ، فَيَسِّرْهُ لِي، وَبَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ خَيْرًا، فَقَدِّرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ وَرَضِّنِي بِهِ».

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢٨٠