تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكلامه - أي يعقوب بن شيبة- بتمامه: "وقد تكلّم أصحابنا فيه فمنهم من رفع قدره وعظمه وجعل الحديث عنه من أصح الإسناد، ومنهم من حمل عَلَيْهِ وَقَال: له أحاديث مناكير. والذين أطروه حملوا هذه الأحاديث عنه على إِنَّهَا عندهم غَيْر مناكير، وَقَالوا هِيَ غرائب".

فأين تجد في كلام الحافظ يعقوب أنهم حملوا كلام القطان في قيس بأنه قصد الغرائب؟!! ومنطوق عبارته أنهم خالفوا القطان لا أنهم وجهوا كلامه، فضلا عن أن فكرة توجيه اصطلاحات العلماء وكلامهم لم تعرف في ذاك الزمن المتقدم لعدم استقرار المصطلحات على طريقة المتأخرين بعد.

ثم لما ذكر عبد الله الجديع أن مراد أحمد أيضاً بالمنكر: "الفرد المطلق"، وقد استعمله في طائفةٍ من الثقات، لم يكن مرادُهُ يعدو التفرد، مثل: محمد بن إبراهيم التيمي، وزيد بن أبي أنيسة، وعمرو بن الحارث، والحسين بن واقد، وخالد بن مخلد!! فهذا خلط عجيب منه!!!

فإنَّ الإمام أحمد لم يستخدم لفظ «منكر الحديث» في هؤلاء الذين ذكرهم!! أما محمد بن إبراهيم فقد سبق بيان أنه لم يقصده وإنما قصد ابنه موسى، وعبارته "روى أحاديث منكرة" وهي بمعنى "منكر الحديث" كما حققته آنفاً.

وأما زَيْد بن أَبِي أُنَيْسَةَ الجَزَرِيّ، فقال أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَانِئٍ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِاللَّهِ: زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، كَيْفَ هُوَ عِنْدَكَ؟ فَقَالَ: "إِنَّ حَدِيثَهُ لَحَسَنٌ مُقَارِبٌ، وَإِنَّ فِيهَا لَبَعْضَ النَّكَارَةِ، وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ حَسَنُ الْحَدِيثِ".

وقال المروذي: وسألته - يعني أحمد- عن زيد بن أبي أنيسة؟ "فحرك يده، فقال: صالح، وليس هو بذاك".

فأين قصد الإمام أحمد بالنكرة في بعض حديثه بالتفرد الذي قد يُقبل عند العلماء؟!!

وأما عمرو بن الحارث، فقَال أَبُو داود: سمعت أحمد يقول: "ليس فيهم - يعني أهل مصر- أصح حديثاً من الليث، وعَمْرو بن الحارث يقاربه".

وقَال أَبُو بكر الأثرم: سمعت أبا عَبدالله يقول: "ما فِي هؤلاء المِصْرِيين أثبت من الليث بْن سعد، لا عَمْرو بْن الحارث ولا أحد، وقد كَانَ عَمْرو بْن الحارث عندي ثُمَّ رأيت لَهُ أشياء مناكير".

وَنقَل فِي موضع آخر، عن أحمد: "عَمْرو بْن الحارث حمل عَلَيْهِ حملا شديدا، قال: يروي عن قتادة أحاديث يضطرب فيها ويخطئ".

قلت: فأين أنه قصد الحديث الفرد الذي قد يقبل؟!! وقد بيّن الإمام أحمد أنه كان يضطرب في حديثه عن قتادة ويخطئ، فهذه المناكير في حديثه، وهي مردودة.

وأما الحسين بن واقد، فقَال أَبُو بكر الأثرم: قلت لأحمد بْن حنبل: ما تقول في الحسين بْن واقد؟ فقال: "لا بأس به، وأثنى عليه".

وقال عَبدالله عَن أبيه: "ما أنكر حديث حسين بن واقد وأبي المنيب عن ابن بريدة".

وقَال فِي موضع آخر: ""أحاديث عَبداللَّهِ بْن بريدة الَّذِي روى عنه حسين بْن واقد مَا أنكرها وأبو المنيب أيضا يقولون: كأنها من قبل هؤلاء".

وقال أحمد بن إِبْرَاهِيم بْن خزيمة: سمعت أَحْمَد بْن حَنْبَلٍ وقيل له في حَدِيثُ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابن عُمَر عن النبي عليه السلام في الملبقة، فأنكره أبو عبد الله! وَقَال: من روى هذا؟ قيل له: الحسين بن واقد. فقال بيده وحرك رأسه كأنه لم يرضه.

وقال أبو بكر الأثرم: ذكر أبو عبد الله: حسين بن واقد، فقال: "وأحاديث حسين ما أدري أي شيء هي، ونفض يده".

قلت: الظاهر أن الإمام أحمد استنكر له ما يرويه عن ابن بريده، وأحاديث أخرى أخطأ فيها، وعلى هذا يُحمل كلامه الأخير الذي نقله الأثرم، وأحمد هنا لم يقصد التفرد المطلق الذي قد يقبله أهل العلم كما زعم الشيخ الجديع وغيره!

وأما خالد بن مخلد فالإمام أحمد قال فيه "لا بأس به"، وإنما وصف الحديث الذي رواه في الاستخارة بأنه منكر، ففرق بين أن يروي الراوي حديثاً منكراً وهو ثقة أو لا بأس به، فالثقة قد يروي المنكر.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢٧٨