قلت: مؤدى عبارة «روى أحاديث مناكير» مثل قولهم «منكر الحديث»، وإلا لِمَ أطلقوا على منكر الحديث هذا المصطلح لولا أنه يروي المناكير!! فلو روى حديثاً منكراً أو اثنين لما قالوا عنه «روى أحاديث مناكير» فإن هذا اللفظ يدلّ على كثرة ما يروي بالنسبة لما عنده من حديث، وقد يكون مُقلاً في الحديث، فيروي أحاديث مناكير بالنسبة لمجموع روايته.
ثم إنّ «محمد بن إبراهيم التيمي» لم نقف على حديث منكر واحد له رواه! فكيف نجعله في صفّ من يضعفه أحمد عندما يقول هذه العبارة في الراوي؟!!
سوء فهم لعبارات الإمام أحمد!
قال حرب بن إسماعيل الكِرمانيُّ: قلت لأحمد بن حنبل: قيس بن الربيع، أيُّ شيء ضعَّفه؟ قال: "روى أحاديث منكرة" [الجرح والتعديل (7/ 98)].
فهذا الإمام أحمد قد أطلق هذه العبارة في قيس، ولما سُئل عن سبب ضعفه قال هذه العبارة، فدلّ ذلك على أنها تضعيف عنده.
وقال عبدالله في «العلل» (3/ 251): ذكر أبي مُحَمَّد بن كثير المصِّيصِي فضعفه جداً، وَقَالَ: سمع من معمر ثمَّ بعث إِلَى الْيمن فَأَخذهَا فرواها وَضعف حَدِيثه عَن معمر جداً، وَقَالَ: "هُوَ مُنكر الحَدِيث أَو قَالَ يروي أَشْيَاء مُنكرَة".
فنلاحظ أن عبد الله عندما نقل تضعيف أبيه لمحمد بن كثير ساوى بين اللفظين: «مُنكر الحَدِيث» و «يروي أشياء منكرة».
وقال عَبْدُ اللَّهِ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: "كَانَ أَبُو عِصْمَةَ - وهو نوح بن أبي مريم- يَرْوِي أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الحَدِيثِ بِذَاكَ".
وقال البُخَارِيَّ: "نُوحُ بنُ أَبِي مَرْيَمَ ذَاهِبُ الحَدِيثِ جِدًّا".
وذكر أَحْمَد حديثاً لعمارة بن زاذان، وقال: "هَذَا الحَدِيث كذب مُنكر"، ثم قال: "وعمارَة يروي أَحَادِيث مَنَاكِير".
وقَال أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: "عُمَارَة بْن زَاذَانَ لَا يحْتَج بِهِ".
وقال ابن المديني في «عبد الله بن نافع العدوي مولاهم المدني»: "روى أحاديث منكرة"، وقال أبو حاتم: "منكر الحديث وهو أضعف ولد نافع"، وقال البخاري: "منكر الحديث" [تهذيب التهذيب: (6/ 53)].
فالذي يظهر لي من خلال تتبع أقوال أهل العلم أنه لا فرق بين العبارتين.
وقد أشكل هذا على بعض المعاصرين كما حصل للمتأخرين بسبب وجود بعض الأقوال التي تدلّ في ظاهرها على الفرق بينهما!
قال الدكتور سعدي الهاشمي في تحقيقه لكتاب «الضعفاء» لأبي زرعة الرازي في أجوبته على أسئلة البرذعي (2/ 299): "وما دمنا في هذا المقام فلا بدّ من بيان فرق جوهري بين مراد العلماء - ومنهم محدثنا- في قولهم "منكر الحديث" وبين الألفاظ الأخرى المشابهة التي توهم التسوية وأخذها نفس الحكم كقولهم "يروي المناكير أو "حديث منكر، وهذا ما يرد كثيراً على لسان أبي زرعة في تعليله لبعض الأحاديث أو تجريحه لعدد من الرجال، ومن لم يميز هذا زلّ وأضلّ. وقال الحافظ الذهبي في ترجمة أحمد بن عتاب المروزي: "قال أحمد بن سعيد بن معدان: شيخ صالح، روى الفضائل والمناكير. قلت: ما كلّ من روى المناكير يُضعف". وقال السخاوي: "وقد يطلق ذلك - على الثقة إذا روى المناكير عن الضعفاء". قال الحاكم: "قلت للدارقطني: فسليمان ابن بنت شرحبيل؟ قال: ثقة". قلت: أليس عنده مناكير؟ قال: يحدث بها عن قوم ضعفاء، أما هو فثقة" انتهى.
قلت: قد يروي الثقة بعض المناكير إما وهماً أو خطأ، ولا يكثر ذلك في حديث، ومن كثر ذلك في حديثه أطلق القول فيه بأنه يروي المناكير أو منكر الحديث.
وأما رواية الثقة المناكير عن الضعفاء فلا يُضعَّف من أجل ذلك لأننا نعرف أن النكارة ليست منه، فلا يستقيم قول السخاوي هنا في أن ذلك يُطلق على الثقة إذا روى المناكير عن الضعفاء، ولهذا أجاب الدارقطني الحاكم لما وثّق سليمان ابن بنت شرحبيل وقال له: أليس عنده مناكير! فقال: هو يحدّث بها عن قوم ضعفاء، أما هو فثقة، أي المشكلة ليست منه، وإنما من هؤلاء الضعفاء، وإذا أسند حديثه وبيّن أنه عن ضعفاء فلا نطلق عليه بأنه يروي المناكير! لأن إطلاق أهل النقد هذا القول على من يتفرد برواية المناكير عن الثقات لا عن الضعفاء! ولهذا أيضاً يقولون عنه «مُنكر الحَدِيث»!