تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: وقول أبي داود: "وبلغني عن أحمد" لا يعني أنه يرويه بصيغة التمريض = التضعيف، وكأنه لما لم يجده في كتاب أحمد في العلل ساق ما سمعه من كلام أحمد في موسى بقوله: "وبلغني"! وأبو داود إذا قال: "بلغني عن فلان" فلا يعني أنه يضعّف القول الذي ينقله، وإنما يقوله بهذه الصيغة لأنه لم يجده في كتب من ينقل عنه القول.

الثالثة: أنّ أقوال أهل النقد في «موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي» توافق القول الذي قاله أحمد ونُسب لأبيه لا له!

قال عباس الدُّورِيُّ، عَن يحيى بْن مَعِين: "ضعيف الحديث".

وَقَال معاوية بْن صالح وأَحمد بْن سعد بْن أَبي مريم، عَنْ يحيى بْن مَعِين: "ليس بشيءٍ". زاد ابن أَبي مريم عن يَحْيَى: "ولا يكتب حديثه".

وقَال البُخارِيُّ: "حديثه مناكير".

وَقَال أَبُو عُبَيد الآجري: سألت أبا داود عَنْ مُوسَى بْن محمد ابن إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: "لا يكتب حديثه".

وَقَال إِبْرَاهِيم بْن يعقوب الجوزجاني: "ينكر الأئمة حديثه".

وَقَال أَبُو زُرْعَة: "منكر الحديث".

وَقَال أَبُو حاتم: "ضعيف الحديث، منكر الحديث، وأحاديث عقبة بن خالد التي رواها عَنْهُ من جناية مُوسَى، ليس لعقبة فيها جرم".

قلت: فهذه أقوال أهل النقد في موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي وأن أحاديثه مناكير، وهو الذي قصده أحمد في عبارته التي توافق أقوالهم، ولا يمكن أن يقصد الأب؛ لأن حديث الأب لا نكارة فيه، ولا يخفى هذا عن مثل الإمام أحمد! يتكلّم في الأب ويصف حديثه بالنكارة وهو لا نكارة فيه، ويترك الكلام عن ابنه وهو الذي في حديثه النكارة.

سقطٌ من كتاب عبدالله بن أحمد!

وبهذه القرائن يتبيّن لنا أنه حصل سقط في كتاب عبد الله ولا بدّ! سقط منه «موسى بن» فصار الكلام في والده «محمد بن إبراهيم التيمي»! فيُحتمل أن السقط في أصل الكتاب أو من الكتاب الذي أخذ منه أحمد عن أبيه! أو من النسخة المشتهرة عن عبد الله كأن يكون نسخها أحد النساخ، فسقط منها أشياء، ومن حملها عن عبد الله سمع شيئاً منها وأجازه ببقية الكتاب أو أجاز الكتاب لهم دون قراءة كما كانت العادة عندهم، والله أعلم.

ولهذا احتار العقيلي وابن عدي لأنهما نقلا هذا من كتاب عبد الله! فلم يخطر ببالهما أن هناك خلل في النصّ!

فالحمد لله الذي أنعم علينا بهذا بفضله وكرمه.

تتابع العلماء وطلبة الحديث على نسبة القول لأحمد بأنه أحياناً يقصد بالمنكر = الفرد المطلق!!

وعليه نقول بأن نسبة القول إلى الإمام أحمد بأنه يقصد «التفرد» في كلامه على بعض الرواة بأن في حديثهم مناكير قول لا يصحّ!

وقد درج طلبة الحديث المعاصرين على هذا المذهب الذي قاله ابن حجر وتابعوه عليه! فلا تكاد تسأل واحداً عن معنى المنكر عند أحمد وغيره من المتقدمين إلا قال لك: "بعض المتقدمين يقصدون بالنكارة الفرد المطلق"! ونسبوا ذلك ليحيى القطان أيضاً!!

والأصل أن مصطلح النكارة هو المعهود عند الجميع ولا يُحمل على مصطلح خاص لبعض الأئمة إلا بوجود القرائن! ولم يأتوا بأية قرينة لما نسبوا هذا لأحمد والقطان! وإنما أحمد والقطان يقولون أحياناً في بعض الأحاديث: "هذا منكر" مع أن الراوي ثقة، وأحياناً يقولون: "فلان أحاديثه مناكير"، فهذا أيضاً يُحمل على ظاهره بعد التأكد من صحة النقل عنهم، وإن تبيّن صحته فيمكن مخالفتهم بالدليل لا أن نحمل ألفاظهم على محمل آخر دون دليل!!

وقد خلط كثير من أهل العلم المتأخرين وطلبة العلم المعاصرين في هذه المسألة!! فحملوا مصطلح "منكر" لبعض الأئمة على الفرد المطلق أو على الغرائب!! وفرقوا بين قولهم: "منكر الحديث" و"يروي أحاديث منكرة"!!

هل هناك فرق بين قولهم: «مُنكر الحَدِيث» و «روى مَنَاكِير»؟!

قال الزركشي في «النكت على مقدمة ابن الصلاح» (3/ 436): "وَمِمَّا أجمله ابْن الصّلاح قَوْلهم «روى أَحَادِيث مَنَاكِير» قال الشَّيْخ فِي شرح الْإِلْمَام: لَا يَقْتَضِي بِمُجَرَّدِهِ ترك رِوَايَته حَتَّى تكْثر المَنَاكِير فِي رِوَايَته وَيَنْتَهِي إِلَى أَن يُقَال فِيهِ «مُنكر الحَدِيث» فليتنبه للْفرق بَين قَوْلهم «مُنكر الحَدِيث» و «روى مَنَاكِير». وَقَالَ فِي الْإِلمَام: من يُقَال فِيهِ «مُنكر الحَدِيث» لَيْسَ كمن يُقَال فِيهِ «روى أَحَادِيث مُنكرَة»؛ لِأَن «مُنكر الحَدِيث» وصف فِي الرجل يسْتَحق بِهِ التّرْك لحديثه، والعبارة الْأُخْرَى تَقْتَضِي أَنه وَقع لَهُ فِي حِين لَا دَائِما. وَقد قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل فِي «مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ»: يروي أَحَادِيث مُنكرَة، وَقد اتّفق عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَإِلَيْهِ المرجع فِي حَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢٧٤