قلت: كلام ابن عبد الهادي والضياء المقدسي على التفرد لا على إطلاق لفظ «المنكر» على الحديث! وما قاله الضياء صحيح في أن غرابة الحديث والتفرد به لا يخرجه عن الصحة، وتطبيق هذا على حديث الاستخارة فيه نظر! لأننا في صدد تفسير قول الإمام أحمد بإطلاق لفظ النكارة عليه! وهما نظرا إلى قول الدارقطني فيه "غريب من حديث عبد الرحمن بن أبي الموالي عن محمد عن جابر، وهو صحيحٌ عنه"، أي صحّت روايته عن ابن الموالي لا أنه يُصحح الحديث؛ لأنه قال في بداية كلامه: "غريب من حديث عبد الرحمن .. "، فلو كان غريباً عنه بمعنى أنه لم تصح الرواية عنه لما قال: "وهو صحيح عنه" أي صحيح عن عبد الرحمن لا عن جابر.
وفي «تذكرة الموضوعات» للفتني (ص: 48): "فِي المُخْتَصر «صَلَاة الاستخارة» رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن جَابر، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد هُوَ حَدِيث مُنكر. قَالَ الحقير: استفتيت فِيهِ بعض أَئِمَّة مَكَّة المشرفة فِي كِتَابَة فَكتب إِلَيّ الجَواب: بِأَن أَحْمد يُطلق الْمُنكر على الفَرد المُطلق، وَإِن كَانَ رَوَاهُ ثِقَةٌ مَعَ أَن حَدِيث الاستخارة رُوِيَ عَن سِتَّة من الصَّحَابَة غير جَابر".
وفي «سلسلة الأحاديث الصحيحة» للألباني (3/ 434) ذكر حديثاً، ثم قال: "قال حمدان بن علي: سألت أحمد عن حديث عبد العزيز القسملي: استغنوا عن الناس؟ قال: منكر، ما رأيت حديثا أنكر منه". قلت: ولعله يعني مجرد التفرد الذي لا يستلزم الضعف كما قال في حديث الاستخارة الذي رواه البخاري أنه منكر، وإلا فإسناد حديث الترجمة صحيح على شرط الشيخين".
هل وصف الإمام أحمد «محمد بن إبراهيم التيمي» بأنّه يروي المناكير؟!
قلت: هكذا حاول بعض أهل العلم دفع لفظ «منكر» عن حديث الاستخارة بحمل هذا اللفظ من الإمام أحمد على «الفرد المطلق»! واستعانوا بذلك كما صرّح ابن حجر بأن الإمام أحمد أيضاً قال عن أحاديث محمد بن إبراهيم التيميّ بأن فيها نكارة! وهو راوي حديث «إنما الأعمال بالنيات»! فقالوا بأن أحمد يقصد: الفرد الغريب لا النكارة التي يُردّ بها الحديث!!
وهذا فيه نظر شديد! فالذي أراده الإمام أحمد من إطلاق لفظ «منكر» على حديث ما هو نفسه المعنى الذي يطلقه أئمة النقد في ردّ الأحاديث لا الحديث الفرد الغريب المطلق الذي قد يكون صحيحاً!! ومن تابع كلام الإمام أحمد فيما نقله عنه الخلال في «المنتخب من العلل» وجد هذا جلياً: أنه يريد النكارة التي يُرد بها الحديث، وهذا الذي فهمه أهل العلم كابن عدي وغيره، ولم يحملوا كلامه على ما حمله ابن حجر وغيره.
لم يطعن الإمام أحمد في محمد بن إبراهيم التيميّ!
وأما استدلال ابن حجر بما نقله عن أحمد في «محمد بن إبراهيم التيمي» مِنْ وصفه أحاديث بأن فيها نكارة! فهذا قد وقع فيه خطأ غاب عن كلّ هؤلاء الأئمة، وهذا أوان بيانه وتوضيح الخلل الذي حدث في كلام الإمام أحمد رحمه الله.
جاء في كتاب «العلل ومعرفة الرجال» (1/ 566) (1355) قال عبد الله ابن الإمام أحمد: سمعته - يعني أباه - وَذكر مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ المَدِينِيّ، فَقَالَ: "فِي حَدِيثه شَيْء! يروي أَحَادِيث مَنَاكِير أَو مُنكرَة، وَالله أعلم".
وعلى هذا اعتمد العقيلي فأورده في «الضعفاء» (4/ 20) (1574) فروى هذا عن عبد الله بن أحمد.
وساق له مِنْ حَدِيثِهِ قال: مَا حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُالعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ وَعَبْدُالعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اشْتَكَى رَقَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ يُبْرِيكَ وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيكَ، مِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ وَمِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ».