قَالُوا: وَإِذا كَانَ الشَّارِع قد أَبَاحَ الرِّهَان فِي الرَّمْي والمسابقة بِالخَيْلِ وَالْإِبِل لما فِي ذَلِك من التحريض على تعلم الفروسية وإعداد الْقُوَّة للْجِهَاد فجواز ذَلِك فِي المُسَابقَة والمبادرة إِلَى الْعلم وَالْحجّة الَّتِي بهَا تفتح الْقُلُوب ويعز الْإِسْلَام وَتظهر أَعْلَامه أولى وَأَحْرَى.
وإِلَى هَذَا ذهب أَصْحَاب أبي حنيفَة وَشَيخ الْإِسْلَام ابن تَيْمِية.
قَالَ أَرْبَاب هَذَا القَوْل: والقمار المحرم هُوَ أكل المَال بِالبَاطِلِ، فَكيف يلْحق بِهِ أكله بِالحَقِّ!
قَالُوا: والصديق لم يقامر قطّ فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام وَلَا أقرّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على قمار فضلا عَن أَن يَأْذَن فِيهِ.
وَهَذَا تَقْرِير قَول الْفَرِيقَيْنِ".
ثم رَّد على القَائِلين بِأَن مراهنة أبي بكر الصّديق لكفار قُرَيْش مَنْسُوخَة، قال: "قَالُوا: وَنَظِير قصَّة مصارعه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لركانة قصَّة مراهنة الصّديق لكفار قُرَيْش على تَصْدِيق النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا أخبر بِهِ من غَلَبَة الرّوم لفارس، وَكَانَ الرِّهَان من الجَانِبَيْنِ كَمَا تقدم فِي أول الكتاب سِيَاق الحَدِيث وَإِسْنَاده على شَرط الصَّحِيح، وَقد صَححهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره.
قَالُوا: وَلَا يَصح أَن يُقَال إِن قصَّة الصّديق مَنْسُوخَة بِتَحْرِيم القمَار فَإِن القمَار حرم مَعَ تَحْرِيم الخمر فِي آيَة وَاحِدَة، والخمر حرمت وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم محاصر بني النَّضِير وَكَانَ ذَلِك بعد أحد بأشهر، وَأحد كَانَت فِي شَوَّال سنة ثَلَاث بِغَيْر خلاف، وَالصديق لما كَانَ المُشْركُونَ قد أخذُوا رَهنه عَاد وراهنهم على مُدَّة أُخْرَى كَمَا تقدم، فَغلبَتْ الرّوم فَارس قبل المدَّة المضروبة بَينهم، فَأخذ أَبُو بكر رهنهم هَكَذَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي بعض طرق الحَدِيث، وَهَذِه الْغَلَبَة من الرّوم لفارس كَانَت عَام الحُدَيْبِيَة بِلَا شكّ وَمن قَالَ كَانَت عَام وقْعَة بدر فقد وهم! لما ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن ابن عَبَّاس عَن أبي سُفْيَان: أَن هِرقل لما أظهره الله على فَارس مَشى من حمص إِلَى إيلياء شكراً لله فوافاه كتاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ بإيلياء، فَطلب من هُنَاكَ من العَرَب فجِئ بِأبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب فَقَالَ لَهُ: إِنِّي سَائِلك عَن هَذَا الرجل ... فَذكر الحَدِيث، وَفِيه: فَقَالَ: هَل يغدر؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: لا، وَنحن الْآن فِي أَمَان مِنْهُ فِي مُدَّة مَا نَدْرِي مَا هُوَ صانع فِيهَا - يُرِيد أَبُو سُفْيَان بالمدة صلح الحُدَيْبِيَة، وَكَانَ فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتّ بِلَا شكّ- فَعلم أَن تَحْرِيم القمَار سَابق على أَخذ الصّديق الرِّهَان الَّذِي رَاهن عَلَيْهِ أهل مَكَّة، وَلَو كَانَ رهان الصّديق مَنْسُوخا لَكَانَ أبعد النَّاس مِنْهُ، فقد روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه أَنه كَانَ لَهُ غُلَام يَأْخُذ مِنْهُ الخراج فجَاء يَوْمًا بشيء فَأكل مِنْهُ، ثمَّ ضحك غُلَامه، فَقَالَ: مَالك؟ فَقَالَ: أَتَدْرِي من أَيْن هَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: إِنِّي كنت تكهنت لإِنْسَان فِي الجَاهِلِيَّة، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم جَاءَنِي بِمَا جعل لي، فَوضع أَبُو بكر يَده فِي فِيهِ واستقاء مَا كَانَ أكل، فَكيف يَأْخُذ القمَار الحَرَام بعد علمه بِتَحْرِيمِهِ ونسخه! هَذَا من المحَال الْبَين، وَقد رُوِيَ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر أَبَا بكر أَن يتَصَدَّق بِمَا أَخذ من المُشْركين من الرِّهَان، وهَذَا إِن صَحَّ لَا يضر، فَإِنَّهُ الأولى والأكمل والأليق بِمنْصب الصديقية، فَلَمَّا رَأَتْ هَذِه الطَّائِفَة أَنه لَا يَصح أَن تكون قصَّة الصّديق مَنْسُوخَة بِتَحْرِيم القمَار قَالَت هِيَ مَنْسُوخَة بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة: «لا سبق إِلَّا فِي خف أَو حافر أَو نصل»، قَالُوا: وَأَبُو هُرَيْرَة أسلم عَام خَيْبَر سنة سبع، وَهَذَا بعد تَحْرِيم القمَار والخمر بِلَا شكّ، فَيكون حَدِيثه نَاسِخاً لمراهنة الصّديق.