قلت: اعتمد كثير من أهل العلم على ما جاء في هذه القصة من تفسير بعض الرواة لأن ما فعله أبو بكر كان مُباحاً قبل أن يحرم القمار!!
بل احتج بذلك أبو حنيفة على جواز العقود الربوية مع أهل الحرب!
قال الزمخشري في «تفسيره» (3/ 467): "فإن قلت: كيف صحت المناحبة وإنما هي قمار؟ قلت: عن قتادة - رحمه الله - أنه كان ذلك قبل تحريم القمار. ومن مذهب أبي حنيفة ومحمد: أن العقود الفاسدة من عقود الربا وغيرها جائزة في دار الحرب بين المسلمين والكفار. وقد احتجا على صحة ذلك بما عقده أبو بكر بينه وبين أبيّ بن خلف مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ، أي: في أوّل الوقتين وفي آخرهما حين غلبوا وحين يغلبون، كأنه قيل: من قبل كونهم غالبين، وهو وقت كونهم مغلوبين. ومن بعد كونهم مغلوبين، وهو وقت كونهم غالبين، يعني أن كونهم مغلوبين أوّلا وغالبين آخرا ليس إلا بأمر الله وقضائه".
وقال الطاهر بن عاشور في «التحرير والتنوير» (21/ 45): "واعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي مُخَاطَرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَأُبَيِّ بنِ خَلَفٍ وَتَقْرِيرِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهَا احْتَجَّ بِهَا أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى جَوَازِ الْعُقُودِ الرِّبَوِيَّةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ. وَأَمَّا الجُمْهُورُ فَهَذَا يَرَوْنَهُ مَنْسُوخًا بِمَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ القِمَارِ نَهْيًا مُطْلَقًا لَمْ يُقَيَّدْ بِغَيْرِ أَهْلِ الحَرْبِ. وَتَحْقِيقُ المَسْأَلَةِ أَنَّ المُرَاهَنَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ جَرَتْ عَلَى الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ إِذْ لَمْ يَكُنْ شَرْعٌ بِمَكَّةَ أَيَّامَئِذٍ فَلَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى إِبَاحَةِ المُرَاهِنَةِ، وَأَنَّ تَحْرِيمَ الْمُرَاهَنَةِ بَعْدَ ذَلِكَ تَشْرِيعٌ أُنُفٌ وَلَيْسَ مِنَ النَّسْخِ فِي شَيْءٍ".
وعنون ابن القيم في كتاب «الفروسية» (ص: 92): "فصل: مراهنة الصّديق للْمُشْرِكين بِعِلْمِهِ وإذنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم".
ثم ساق حديث حبيب بن أبي عمْرَة عَن سعيد بن جُبَير عَن ابن عَبَّاس، وحديث نيار بن مكرم الْأَسْلَمِيّ، وحَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عبيدالله بن عتبَة عَن ابن عَبَّاس.
ثم قال: "وقَوله فِي الحَدِيث مناحبته فالمناحبة المخاطرة وَهِي المُرَاهنَة من النحب وَهُوَ النّذر وَكِلَاهُمَا مناحب هَذَا بِالعقدِ وَهَذَا بِالنذرِ ... وَقَوله (وَذَلِكَ قبل تَحْرِيم الرِّهَان) من كَلَام بعض الروَاة لَيْسَ من كَلَام أبي بكر ولا من كَلَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم".
ثم قال: "وَقد اخْتلف أهل العلم فِي إحكام هَذَا الحَدِيث ونسخه على قَوْلَيْنِ:
فادعت طَائِفَة نسخه بنهي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الغرَر والقمار، قَالُوا: فَفِي الحَدِيث دلَالَة على ذَلِك وَهُوَ قَوْله: وَذَلِكَ قبل تَحْرِيم الرِّهَان.
قَالُوا: وَيدل على نسخه مَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَأهل السّنَن من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: «لا سبق إِلَّا فِي خف أَو حافر أَو نصل». والسبق - بِفَتْح السِّين وَالبَاء - وَهُوَ الخطر الَّذِي وَقع عَلَيْهِ الرِّهَان.
وإِلَى هَذَا القَوْل ذهب أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وأحْمَدْ.
وَادعت طَائِفَة أَنه مُحكم غير مَنْسُوخ وَأَنه لَيْسَ مَعَ مدعي نسخه حجَّة يتَعَيَّن المصير إِلَيْهَا.
قالوا: والرهان لم يحرم جملَة فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَاهن فِي تسبيق الخَيل، وَإِنَّمَا الرِّهَان على المحرم الرِّهَان على البَاطِل الَّذِي لَا مَنْفَعَة فِيهِ فِي الدّين، وَأما الرِّهَان على مَا فِيهِ ظُهُور أَعْلَام الْإِسْلَام وأدلته وبراهينه كَمَا قد رَاهن عَلَيْهِ الصّديق فَهُوَ من أَحَق الحق وَهُوَ أولى بِالجَوَازِ من الرِّهَان على النضال وسباق الخَيل وَالْإِبِل أدنى وَأثر هَذَا فِي الدّين أقوى؛ لِأَن الدّين قام بِالحجَّةِ والبرهان وبالسيف والسنان، والمقصد الأول إِقَامَته بِالحجَّةِ وَالسيف منفذ.