والْأَمْرُ فِي هَذَا سَهْلٌ قَرِيبٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا انْتَصَرَتْ فَارِسُ عَلَى الرُّومِ سَاءَ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا انْتَصَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ فَرِحَ الْمُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرُّومَ أَهْلُ كِتَابٍ فِي الجُمْلَةِ، فَهُمْ أَقْرَبُ إِلَى المُؤْمِنِينَ مِنَ المَجُوسِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: 82، 83]، وَقَالَ تَعَالَى هَاهُنَا: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
وقَالَ ابنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، قال: حَدَّثَنَا صَفْوان - هو: ابن صالح-، قال: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ - هو ابن مسلم-، حَدَّثَنِي أُسَيْدٌ الكِلَابِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ العَلَاءَ بنَ الزُّبَيْرِ الكِلَابِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ غَلَبَةَ فَارِسَ الرُّومَ، ثُمَّ رَأَيْتُ غَلَبَةَ الرُّومِ فَارِسَ، ثُمَّ رَأَيْتُ غَلَبَةَ المُسْلِمِينَ فَارِسَ وَالرُّومَ، كُلُّ ذَلِكَ فِي خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً".
قلت: كذا يعتمد أهل التفسير على هذه القصة في تفسير الآيات! وفي كل ذلك نظر! لعدم ثبوتها!
وما ذكره ابن أبي حاتم من حديث الزبير الكلابي فيه نظر أيضاً! فالزبير هذا لا تصح له صحبة! ولا يُعرف إلا في هذا الأثر!! والله أعلم.
·…اعتماد الإمام أحمد على هذه القصة في مسألة خلق القرآن!
قال أبو بكر الخلال: أخبرني أبو يحيى زكريا بن يحيى الناقد قال: حدثنا أبو طالب قال: قلت لأبي عبداللَّه: كتب إليّ من طرسوس: أن الشراك يزعم أن القرآن كلام اللَّه، فإذا تلوته فتلاوته مخلوقة!
قال: "قاتله اللَّه! هذا كلام جهم بعينه".
قلت: رجل قال: القرآن كلام اللَّه وليس بمخلوق، ولكن لفظي به مخلوق؟
قال: "من قال هذا فقد جاء بالأمر كله، إنما هو كلام اللَّه على كل حال، الحجة فيه حديث أبي بكر: ﴿ألم غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ".
فقيل له: هذا مما جاء به صاحبك؟ فقال: لا واللَّه، ولكنه كلام اللَّه. هذا وغيره إنما هو كلام اللَّه.
قال: "نعم، هذا وغيره إنما هو كلام اللَّه، إن لم يرجع عن هذا فاجتنبه ولا تكلمه، هذا مثل ما قال الشراك".
قلت: هذه القصة لم تثبت، والرد على من قال بهذا القول في آيات وأحاديث أخرى كثيرة.
·…الرهان الوارد في الحديث! والاحتجاج به! ودعوى أنه نُسخ!
قال القرطبي في «تفسيره» (14/ 5): "وكَانَ فِي هَذَا الْإِخْبَارِ دَلِيلٌ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّ الرُّومَ غَلَبَتْهَا فَارِسُ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ فَارِسَ فِي بِضْعِ سِنِينَ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ، لِأَنَّ الرُّومَ أَهْلُ كِتَابٍ، فَكَانَ هَذَا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ عَلِمُوهُ، وَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُرَاهِنَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَأَنْ يُبَالِغَ فِي الرِّهَانِ، ثُمَّ حُرِّمَ الرِّهَانُ بَعْدُ وَنُسِخَ بِتَحْرِيمِ القِمَارِ".