قلت: كيف تكون الرواية المرسلة متابعة جيدة لرواية موصولة غريبة!! بل هذه الرواية المرسلة تعلّ الرواية المتصلة.
والمحفوظ من حديث حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير مرسلاً كما رواه عنه الثوري، وليس فيه اللفظ الذي علّقه البخاري!
رواه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» [كما في «بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث» (3)] عن مُعَاوِيَة بن عَمْرٍو الأزدي، عن أَبي إِسْحَاقَ الفزاري.
ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (5/ 557) (28940) عن وكيع.
ورواه الطبري في «تفسيره» (7/ 360) عن ابن وَكِيعٍ، عن أَبِيه.
كلاهما (الفزاري ووكيع) عَنْ سُفْيَانَ الثوريّ، عَنْ حَبِيبِ بنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قالَ: خَرَجَ المِقْدَادُ بنُ الْأَسْوَدِ فِي سَرِيَّةٍ فَمَرُّوا بِقَوْمٍ مُشْرِكِينَ فَفَرُّوا وَأَقَامَ رَجُلٌ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ , فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَتَلَهُ الْمِقْدَادُ , فَقِيلَ لَهُ: أَقَتَلْتَهُ وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ فَقَالَ: وَدَّ لَوْ أَنَّهُ فَرَّ بِمَالِهِ وَأَهْلِهِ , فَقَالُوا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْأَلُوهُ , فَأَتَوْهُ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «أَقَتَلْتَهُ وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَدَّ لَوْ أَنَّهُ فَرَّ بِمَالِهِ وَأَهْلِهِ , قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: 94] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: 94] تُخْفُونَ إِيمَانَكُمْ، وَأَنْتُمْ مَعَ المُشْرِكِينَ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 94] وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ".
قلت: فالحديث الذي علّقه البخاري معلول! ولفظه ليس بمحفوظ! وقد وهم فيه أبو بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي البَصْرِيّ فوصله، والصواب فيه الإرسال.
وأبو بكر قليل الحديث عزيز؛ لأنه مات كهلاً، لم يدركه ابنه محمد.
ولم يذكروا فيه جرحاً ولا تعديلاً، ويُعتبر بحديثه، ولا يُحتمل تفرده.
قال ابن حجر في «التقريب» (ص: 624): "مقبول" - يعني عند المتابعة، فكيف إذا خالفه مثل سفيان الثوري!
وقد نعجب من البخاري كيف جزم بقوله: "وقال حبيب بن أبي عمرة .. " مع علّته!
فهل خفيت علّته على البخاري؟!
قلت: لو خفيت عليه لما احتاج إلى تعليقه! ولكنه ساقه كما رُوي عن حبيب! وإنما ساق هذا الإسناد المتصل وترك المرسل لبيان أنه معلول فعلّقه.
وهنا تنبيه إلى أن ما اشتهر من قول ابن الصلاح وتبعه عليه أهل المصطلح فيما يتعلق بمعلقات البخاري: "مَا كَانَ مِنْهُ بِصِيغَة الجَزْم مثل: قالَ فلَان وَفعل وَأمر وروى وَذكر فَهُوَ حكم بِصِحَّتِهِ عَن المُضَاف إِلَيْهِ"! هذا القول فيه نظر!
ففي هذا التعليق جزم بقوله: "وقال حبيب ... " لكنه في الحقيقة لم يصح عن حبيب.
·…كيف خرج مسلم لحبيب بن أبي عمرة في «صحيحه»؟
وقد خرّج مسلم لحبيب بن أبي عمْرَة حديثاً واحداً فِي كتاب الْأَشْرِبَة تُوبع عليه، وساقه في الشواهد.
روى مسلم في «صحيحه» (3/ 1576) حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ، والبُسْرِ والتَّمْرِ، وقَالَ: «يُنْبَذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ».
ثم حديث ابنِ عَبَّاسٍ، قالَ: «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخْلَطَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا، وَأَنْ يُخْلَطَ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ جَمِيعًا، وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ جُرَشَ يَنْهَاهُمْ عَنْ خَلِيطِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ».