ولم يرد ابن المديني - كما زعم الدكتور اللاحم - بيان أنه إذا ذكر التحديث فإنه حينها لا يدلس وتقلّ المنكرات في حديثه!!
ولا يفهم من كلام ابن المديني أن ابن إسحاق إذا صرّح بالتحديث فإن حديثه ليس بمنكر حينها!!! فهو كثير الخطأ ويُدلّس، والمنكرات في حديثه كثير جداً! وهذا لا يخفى على ابن المديني إمام العلل.
فابن المديني يقصد ببقية الأحاديث في النص السالف: أي المنكرات كما قال ابن حجر؛ فإنه نقل كلام ابن المديني في «تهذيب التهذيب» (9/ 43): "وقال يعقوب بن سفيان: قال علي لم أجد لابن إسحاق إلا حديثين منكرين ... والباقي: يعني المناكير في حديثه، يقول: ذكر فلان، ولكن هذا فيه حدثنا".
فهذا يدلّ على أن ابن المديني لم يقصد أن له فقط هذين الحديثين من المنكرات!! بل هناك منكرات أخرى، لكنه يقول فيها: "ذكر فلان"، لكن هذين الحديثين المنكرين يقول فيهما: "حدثني"!!
فكأن ابن المديني يرى أنه ربما دلسهما لأنهما منكرين، أي إسنادهما، لكن ابن إسحاق ذكر فيهما صيغة التحديث!
ولا يُفهم أن ابن المديني حكم على حديث ابن إسحاق كلّه!! وإنما هو نظر في جزء من حديث ابن إسحاق، فحكمه على الذي وقع له لا حديثه كله.
قال يعقوب بن سفيان الفَسوي في «المعرفة والتاريخ» (2/ 27): سَمِعْتُ بَعْضَ وَلَدِ جُوَيْرِيَةَ بنِ أَسْمَاءَ - وكان ملازما لعلي - قال: سمعت عَلِيًّا يَقُولُ: "دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ حَدِيثِ ابنِ إسحاق شيء فَمَا أَنْكَرْتُ مِنْهُ إِلَّا أَرْبَعةَ أَحَادِيثَ ظَنَنْتُ أَنَّ بَعْضَهُ مِنْهُ وَبَعْضَهُ لَيْسَ مِنْهُ".
فهذا يوضح أن كلامه كان عما دُفع إليه من أحاديث لابن إسحاق، وذكر الراوي عنه أن ما أنكر من أسانيد أربعة، بعض هذه النكرة - أي الخطأ منه، وبعضها ممن يروي عنهم.
وروى العقيلي في «الضعفاء» (4/ 26) قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ الحَسَنِ بنِ خِرَاشٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بنَ المَدِينِيِّ، يَقُولُ: "لَمْ يُنْكَرْ عَلَى مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ إِلَّا حَدِيثُ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ» ".
وهنا الناقل عن ابن المديني ذكر أنه أنكر على ابن إسحاق حديثاً واحداً فقط، وهذا يدل على أن الأحاديث التي دُفعت له من حديث ابن إسحاق قليلة، والمنكر الذي لم يتبين الخطأ فيه أنه منه أو من غيره في هذا الحديث، أو في حديثين بحسب الرواية الأخرى، أو أربعة أحاديث بحسب رواية ثالثة.
على أن ابن المديني في رواية أخرى يرة أن ابن إسحاق قد يكون فعلاً سمعهما من شيخيه اللذين رواهما عنهما.
فقد أخرج الخطيب في «تاريخ بغداد» (2/ 30) من طريق إمام المحدّثين محمد بن إسماعيل البخاري، قالَ: رأيت علي بن عبدالله - يعني: ابن المديني-يحتج بحديث ابن إسحاق. وقَال لي علي بن عبدالله: "نظرت في كتاب ابن إسحاق فما وجدت عليه إلا في حديثين، ويمكن أن يكونا صحيحين".
يعني وجد في ذلك الكتاب الذي دفع له من حديث ابن إسحاق حديثين تفرد بإسنادهما، ويمكن أن يكون هذين الحديثين صحيحين عمن رواهما عنهم.
وكان ابن إسحاق يحبّ الحديث فيأخذ من كتب الناس ويضعه في كتابه.
قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل، وذكر محمد بن إسحاق، فقال: "كان رجلاً يشتهي الحديث، فيأخذ كتب الناس فيضعها في كتبه".
فعلّق الذهبي على ذلك في «السير» فقال: "قُلْتُ: هذا الفِعْلُ سَائِغٌ، فَهَذَا الصَّحِيْحُ لِلْبُخَارِيِّ فِيْهِ تَعلِيقٌ كَثِيْرٌ".
وبهذا يظهر لنا أن ابن المديني لم يرد أن يُبيّن أن ابن إسحاق إذا صرح بالتحديث فإن النكارة تقلّ في حديثه كما فهم الدكتور اللاحم! بل قصد أن هذين الحديثين تفرد بإسنادهما ابن إسحاق وذكر صيغة التحديث فيهما، وبقية الأحاديث المنكرة تبيّن الخطأ فيها من غيره.